وذكر الطبري في تاريخه أن الرسول كان حريصا على إصلاح قومه محبا مقاربتهم ، بما وجد إليه السبيل . وقد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقاربتهم ، فتمنى في نفسه أن يأتيه من اللّه ما يقارب بينه وبين قومه . وكان يسره مع حبه لقومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم حتى حدّث بذلك نفسه ، وتمناه وأحبه . فأنزل اللّه عز وجل :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
فلما انتهى إلى قوله
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدّث به نفسه . ويتمنى أن يأتي به قومه « تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتضى » . فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرّهم وأعجبهم « 1 » .
استنبط « رودنسون » من الحكايتين الآنفتين عدم دعوة النبي إلى الوحدانية في بداية أمره ، ومحاولته إيجاد تسوية مع قومه حينما تمنى أن يقاربه اللّه بهم ، وجعل لآلهتهم الشفاعة . ولكن سياق الحديث يناقض هذا الاستنباط تمام المناقضة . وآية ذلك أن الرهط من قريش الذين ساوموا الرسول على العبادة المشتركة لإله محمد وآلهتهم قد ساءهم شتم محمد لآلهتهم ، وذكرها بالسوء ، والإشارة إلى عدم قدرتها على فعل أي شيء . والإصرار على وحدانية اللّه ، فتكون هذه الشبهة داحضة من أساسها طالما كان سبب المساومة عداوة الرسول لآلهة قريش وتسفيهها بغية القضاء عليها ، وهو هدف وضعه نصب عينيه منذ الوهلة الأولى فلم يساوم ، ولم يهادن ، ولم يشرك مع اللّه إلها آخر مهما كانت صفته منذ الوهلة الأولى من بدء دعوته وإلى النهاية .
أما بالنسبة للقصة الثانية والتي يطلق عليها المستشرقون « الآيات الشيطانية » فإنه ليس من الغرابة أن يتمنى الرسول هداية قومه إلى سبيل الرشاد ، كما تمنى أن يأتيه اللّه ما يقارب بينه وبينهم . وقد حدّث نفسه بذلك . فلما نزلت سورة النجم ألقى الشيطان في نفسه آية الغرانيق . ولكن الرسول تنبّه إلى ذلك منذ الوهلة الأولى ، وحزن حزنا شديدا ، وخاف من اللّه خوفا كبيرا فأنزل اللّه من القرآن ما يعزيه ويطمئنه لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
. ثم يسترسل القرآن منددا ومشنعا بآلهة قريش عندما يقول :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى * أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ ، المرجع السابق ، ص 1192 .