تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
في اللفظ والمعنى ، والتكامل في الجمل والمقاطع ، والترابط بين الأجزاء المختلفة والطول والقصر في المقاطع حسب الأحوال . بل إن سور المرحلة المكية الختامية امتازت بطولها وطول آياتها شأنها في ذلك شأن السور المدنية . ثالثا : أصرّ المستشرقون جميعا على أن الرسول لم يدع في بداية دعوته إلى دين ثوري جديد ، بل إنه هادن آلهة العرب الأخرى ، ولم يطالب بالوحدانية المطلقة إلا بعد ظروف شخصية وموضوعية اقتضتها مراحل الدعوة الإسلامية . ومن هنا امتاز القرآن المكي في بدايته بعدم الدعوة إلى وحدانية اللّه ، وعدم الشرك به ، وظهرت هذه الدعوة في المراحل المتأخرة للفترة المكية ، وتعززت في المرحلة المدنية . إن هذه الشبهة خطيرة جدا في محتواها ومضمونها ونحن لم نطّلع على الأدلة والبراهين التي استند إليها المستشرقون للبرهنة عليها . باستثناء « رودنسون » الذي حاول في كتابه « محمد » تأصيلها عندما أورد قصة محاورة عتبة بن ربيعة للرسول ومساومته بالرئاسة أو المال أو الشرف لترك دعوته ، وإيراده كذلك قصة الآيات الشيطانية المعروفة . وحاول « رودنسون » من خلال هاتين القصتين البرهنة على أن الرسول لم يدع في بداية أمره إلى دين جديد ، بل إنه حافظ على مكانة آلهة قريش الآخرين « 1 » . ونحن لو تفحصنا هاتين القصتين بعد رجوعنا إلى المصادر الإسلامية المعتمدة لوجدناهما تبرهنان على خلاف ما ذهب إليه « رودنسون » . وبيان ذلك طبقا لما رواه الطبري في « تاريخه » و « تفسيره » ، وابن كثير في « بدايته ونهايته » ، أن قريشا ساومت الرسول بالمال والجاه والرئاسة لترك دعوته ، ولكنهما نفيا أن يكون ل « عتبة بن ربيعة » ضلع فيها . وملخص أقوالهما : أن لقي الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأمية بن خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا يا محمد هلمّ فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشركك في أمرنا كلّه . فإن كان الذي جئت به خيرا ممّا في أيدينا كنّا أشركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه . فأنزل اللّه تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
« 2 » .
هامش
( 1 )RODINSON , Mahomet , op , cit . pp : 134 - 135 .( 2 ) أ - الطبري تاريخ ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، القسم الأول ، ص 1191 . ب - ابن كثير ، البداية والنهاية ، المرجع السابق ، الجزء الثالث ص 90 .