تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
بالحسنة كقوله تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
« 1 » . ثانيا : إن ما ذهب إليه المستشرقون إلى القول بامتياز السور المكية بالقصر ، وتقطع في الأنفاس ، وعدم التناسق في الأسلوب ، وعدم انتظام النغمة ، بينما تمتاز السور المدنية بطولها ، وتناسق نغماتها ، واختفاء اللهاث فيها ، والسلاسة في عرضها فإن هذا الاختلاف مرجعه إلى حالة النبي العقلية والنفسية ، لأنه كان بمكة مبتدئا ، جديدا في الدعوة ، يحاول تأليف كتابه العاكس لبيئته بشيء من الصعوبة والتردد وعدم الجزم ، أما في المدينة فقد أصبح واثقا بنفسه متعودا مواجهة المشكلات وإيجاد الحلول لها ، فجاء تأليفه متزنا ، واضحا ، جليا . وهذه الشبهة لا أساس لها هي الأخرى سواء من حيث الواقع أو من حيث الأسلوب . وبيان ذلك أن الأسلوب القرآني في مجمله جعلت له طابعا معجزا في لغته وبلاغته ، أفاض فيها علماء المسلمين وقتلوها بحثا وتحقيقا . واستخلصوا له خصائص معينة انفرد بها عن بقية أساليب البشر الأخرى ، فهو يمتاز في مكة أو في المدينة باتساقه ، وائتلافه في حركاته وسكناته ، بطريقة لا يضارعه فيها أي كلام آخر من منظوم أو منثور . وهذا المجال الصوتي ، والنظام التوقيعي ، والنغمة المتسقة هو الذي لفت العرب إلى خاصية القرآن الذي لم يروا فيه شعرا أو نثرا ولم يكن لهم عهد به حتى وصفوه بالسحر . ومن خاصية الأسلوب القرآني تأثر العامة والخاصة به على حد سواء ، فيحس الجميع بجلاله ، ويذوقون حلاوة وطلاوة بيانه ، وهذا أكبر دليل على ألوهيته ، إذ لو كان مصدره بشريا لما تأثر بأسلوبه العامة ، ولاقتصر تذوقه على الخاصة . ومن خصائص الأسلوب القرآني جودة سبكه ، وإحكام سرده ، وترابط بين أجزائه ، وتماسك في كلماته وجمله وآياته وسوره ، خلافا لما ذهب إليه المستشرقون كما أوردنا شبهاتهم بالخصوص ، ونحن نتحداهم أن يأتوا بأمثلة حية يبرهنون فيها على صحة ادعاءاتهم . فليس هناك لهاث وتقطع في الأنفاس ، وليس هناك غموض وإبهام ، وليس هناك نغم نشاز في القرآن ، وليس هناك جمل ليست كاملة . ولكنه يمتاز بالتناسق
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، الآيات : 32 - 34 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 368 | ساسي سالم الحاج