يدعو إلى عبادة شخصه وتقديسها . واستنبط المستشرقون من وراء ذلك بشرية القرآن وعدم ألوهية مصدره .
10 - إن القرآن المكي مليء بالتهديد والوعيد ، والإنذار باقتراب يوم القيامة ، وخلو الآيات من الأدلة والبراهين ، بخلاف القرآن المدني الذي خفف من هذه النغمة ، وجاء حافلا بتنظيم العبادات والمعاملات تنظيما دقيقا ، كما جاء مدعما بالأدلة والبراهين والحجج القاطعة ، وهذا دليل آخر على تأثر القرآن بالوسط الذي كان فيه محمد .
ونحن قد أوردنا إليك تفصيلا آراء المستشرقين حول هذه القضية ، واختصرنا لك أهم الشبهات التي صرحوا بها تجاه مصداقية الوحي القرآني ، فإن المنهج العلمي يقتضي منّا الرد على هذه الشبهات بأسلوب علمي ، بعيد عن القدح والشتم والتحامل ، كل ذلك على النحو التالي :
أولا : إن الأسلوب القرآني المختلف في مكة عنه في المدينة أمر طبيعي لا غرابة فيه . لأن الخطاب الموجه لأهل مكة لا يكون مطابقا للخطاب الموجه لأهل المدينة من حيث الأسلوب والموضوع . ففي مكة يوجه الخطاب إلى قوم رفضوا الدعوة المحمدية ، وعاندوا الأحكام الواردة فيها ، وطعنوا في صحة الوحي الإلهي ، وأنكروا نبوة الرسول ، وعارضوا الوحدانية ، وتمسكوا بآلهتهم وأصنامهم ونمط حياتهم ، ثم بلغ بهم الأمر إلى اضطهاد الرسول وأتباعه ، ومحاربتهم بالسيف والقلم ، ومن الطبيعي أن يكون الخطاب الموجه لهم متسما بالقسوة والشدة والصرامة لمقارعة حججهم ، وإبطال معتقداتهم .
خلافا للخطاب الموجه لأهل المدينة الذين آووا ونصروا واعتنقوا الدعوة الإسلامية وذادوا عنها بالسيف والقلم فيكون الخطاب الموجه لهم لينا ، لطيفا ، سمحا يتسق وطبيعة كل قوم وكل حادثة وكل ظرف . ولهذا السبب نلاحظ نزول الآيات التي تقرع المشركين بمكة ، وتشتد في تسفيه أحلامهم ، وتسلّي الرسول والمؤمنين ، وتعلمهم السماحة والصفح الجميل « 1 » . يضاف إلى ذلك أن القرآن المكي لم يتفرد وحده بالعنف والشدة لأن القرآن المدني يحتوي كذلك على هذه الخصائص في العديد من آياته ، كتلك التي تحرم الربا ، وتهدد أهل الكفر بالنار وسوء العذاب ، بل إن العديد من الآيات المكية تحتوي بدورها على خصائص اللين والصفح والتسامح ، وتنادي بمقابلة السيئة
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، المرجع السابق ، ص 184 .