ويستطرد « جولدزيهر » في كتابه الآنف بيانه قائلا : « لقد كانت السور الأولى في النزول على الشكل الذي تعوّد الكهّان القدماء وضع نبواتهم فيه ، ولو جاء في شكل آخر لما رضي عنه أي عربي يرى فيه قرآنا موحى به من اللّه ، على أن محمدا قد أكد أن جميع ما جاء به هو من الوحي الإلهي . إلا أنه ما أعظم الفارق بين سجع السور المكية وسجع السور المدنية . بينما نرى محمدا يسرد في الأولى رؤاه الكشفية الإلهامية
ses Visions
في فقرات مسجوعة متقطعة وفق صوت ضربات قلبه المحموم ، نرى الوحي في الثانية يتخذ نفس الشكل السجعي لكنه مجرد من اندفاعه وقوته ، حتى في الحالات التي أعاد فيها النبي طرق الموضوعات التي تناولها في السور المكية .
هكذا تعرضنا باختصار إلى آراء بعض المستشرقين حول خصائص القرآن المكي والقرآن المدني ، وأوردنا جميع الشبهات التي حاولوا إلصاقها بصحة النص القرآني ، ويمكننا تحديد هذه الشبهات على النحو الآتي :
1 - يتميز القرآن بأسلوبين متعارضين في مكة والمدينة ، وهذا الاختلاف مرجعه إلى طبيعة وظروف الدعوة المحمدية ، ويعتبر انعكاسا واضحا للبيئة التي وجد فيها .
ومن هنا نفي الوحي الإلهي عن الرسول ، لأن النصوص القرآنية تعكس طبيعة وبيئة وظروف كل مكان وكل زمان . فالأسلوب القرآني يمتاز في مكة بالشدة والعنف ، بينما يمتاز في المدينة باللين والوضوح والصفح .
2 - إن الأسلوب القرآني يمتاز في مكة بتقطع في الآيات ، وقصر في مقاطعها ، وعدم التناسق في انتظام نغمتها ، وانبهار وتمتمة وانقطاع أنفاس وأحيانا عدم استكمال لجملها . بينما يمتاز القرآن المدني بتكامل المقاطع ، وتناسق نغمتها ، واختفاء اللهاث والانقطاع منها ، والسلاسة في عرضها ، والوضوح في موضوعها لأنها قيلت بعد تفكير وتروّ ومشاورة الرسول لأصحابه والمحيطين به .
3 - الإصرار على أن الرسول لم يدع في بداية بعثته إلى دين ثوري جديد ، ولم يدع منذ البداية إلى الوحدانية المطلقة ، بل إنه تسامح مع آلهة العرب الآخرين ، ولم يطالب بإلغاء الوثنية وتحطيم الأصنام إلا بعد خطوب وظروف أشرنا إليها في إبانها .
4 - امتاز الأسلوب القرآني المكي بالشدة ، والقسوة ، والذم ، والقدح ، عاكسا بذلك كل مميزات الأوضاع المكية المنحطة ، بينما تغير هذا الأسلوب في المدينة إلى