تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
يراها مناسبة أو مطابقة لاستشارة أصحابه فإن ذلك عون من اللّه له وتوفيق منه إليه وليس من الغرابة أن تتطابق الحلول الإلهية مع تفكير عبده فيها العاقل المتأني الرزين « 1 » . تميزت هذه المرحلة بتنظيم قضايا الحرب والسلام وتنظيم بيت مال المسلمين ، وبيان واردات ومصروفات جماعته ، وتنظيم صرفها والمصارف التي تنفق فيها والمستحقين لها . وتقسيم الغنائم الحربية ، وإصدار القوانين المدنية ، والجنائية والأحوال الشخصية ، ومعاملة الأرقاء ، وهذه الأمور نصت عليها الآيات القرآنية المدنية . وتحدث « جولدزيهر » في كتابه « العقيدة والشريعة في الإسلام » ص 14 - 15 عن التمييز بين القرآن المكي والقرآن المدني . مستندا في ذلك إلى البحث النقدي والبلاغي للقرآن . ففي العصر المكي جاءت المواعظ التي قدم فيها محمد الصور التي أوحتها إليه حتميته الملتهبة ، في شكل وهمي خيالي حاد تلقائي ذاتي ، وهو في هذا العصر لا يسمع صلصلة سيفه ، ولا يتحدث إلى محاربين أو رعايا مسالمين ، بل يظهر لجموع معارضيه ومناقضيه العقيدة السائدة في نفسه عن قوة اللّه خالق العالم وربّه وسلطانه غير المحدود ، وعن اقتراب يوم الحساب الذي يتمثله ويراه في الرؤى الوحيية ، فينتزعه من راحته انتزاعا ، وهو يعلن عقاب الماضين من الطغاة والشعوب الذين قاوموا نذر اللّه التي جاءتهم بألسن الرسل وأنبيائهم . لكن حمية النبوة وحدتها أخذت - في عظات المدينة والوحي الذي جاء به - تهدأ رويدا رويدا ، حيث أخذت البلاغة في هذا الوحي تصبح ضعيفة شاحبة ، كما أخذ الوحي نفسه ينزل إلى مستوى أقل بحكم ما كان يعالجه من موضوعات ومسائل ، حتى لقد صار أحيانا في مستوى النثر الهادي . وفي هذا العصر نرى النبي يستخدم حنكته المفكرة المنظمة ورؤيته الدقيقة وتبصره العالمي ، وفي مقاومة خصومه الذين شرعوا في معارضة مقاصده ، وغاياته في داخل موطنه وخارجه ، كما شرع ينظم أعوانه ومن دخل تحت لوائه ويضع قانونا مدنيا ودينيا لهذه الهيئة الجديدة التي شرعت في تثبيت أقدامها ، ويسن قواعد لجميع ظروف الحياة العملية . وكان من ذلك حياته الخاصة في جليل شؤونها ودقيقها ، تدخل في نطاق الوحي الإلهي الصادر إليه .
هامش
( 1 )Ibid , p . 254 .