نظّمت النصوص القرآنية الجهاد الإسلامي وشرائطه ، وكيفية تطبيقه والتزام المؤمنين به ، وكانت هذه التعليمات والأوامر العسكرية صدى واسعا للمعارك الحربية التي خاضتها الجماعة الإسلامية ضد مشركي مكة ، وضد اليهود بالمدينة ، وضد الأعراب المتحالفين معهما . كما تتحدث النصوص المقدسة في هذه الفترة عن مشاكل الرسول الزوجية ، والخلاف الناشب بين زوجاته ورمي إحداهن بالإفك ، وزواجه بزوجة ابنه بالتبني بعد أن طلقها .
ويثير « رودنسون » قضية هامة في هذه المرحلة من الدعوة الإسلامية عالجنا بعض آثارها في المبحث الخاص ب « الوحي الإلهي » إلا أنه قد عالجها في ثنايا حديثه عن خصائص القرآن في المدينة وهي ، هل كان النبي صادقا ويعتقد جازما أنه ما زال يتلقى الوحي الإلهي من اللّه ؟ . ويؤكد « رودنسون » هذا الإخلاص وهذه الثقة في المرحلة المكية . إلا أنه يلقي بظلال من الشك عليها في المرحلة المدنية . ويقتبس من آراء المستشرق « بوهل »
F . Buhl
التي ترى الوحي المحمدي ليس بتلك الدرجة من الثقة والتأكيد كما كان عليه بمكة ، ولكن الوحي يبدو مترددا ، حذرا ، متباطئا . نتيجة تفكير محمد مليّا في القضايا التي تطرح عليه ، وتفكيره في مواجهة المشاكل التي تتراءى له ، واختيار الحلول المناسبة لكل موقف يجب عليه اتخاذه ، وأحيانا تكون الحلول من حواشيه ومستشاريه والرجال المحيطين به ، ويصبح من الصعب الاعتقاد أن الوحي يبدو في هذه الفترة كمثيله في الفترة السابقة « 1 » . ويتساءل « رودنسون » قائلا : « هل تحول الرسول إلى محتال بحيث أصبح يستخدم الوحي طبقا للضرورات والمواقف التي يواجهها ؟ ألم نره في العديد من المواقف الصعبة مترددا ، مستشيرا أصحابه ، مفكرا قبل أن ينزل الوحي من السماء قاطعا في القضية المطروحة طبقا للآراء التي يقترحها أصحابه ؟ ألم يذكر عمر بن الخطاب أن الوحي قد أيده ثلاث مرات في وجهات نظره .
ألم يصرح عمر بعد وفاة الرسول بأنه لو كان خبر السماء يتنزل لوافقه على أمر اقترحه على المسلمين ؟ يجيب « رودنسون » عن صحة هذه التساؤلات ولكنه يؤكد صدق الرسول وإخلاصه في ما يبشر به ويدعو الناس إليه . ويقول : إنه ليس من الضروري أن يكون محمد محتالا في هذه المرحلة أيضا لأنه ما زال يشعر أن ما يأتي إليه من أفكار وحلول لقضايا مطروحة هي من اللّه دون سواه ، وإذا كان الوحي يتناسب والحلول التي
هامش
( 1 )Ibid , p . 253 .