وفي أثناء هذه الحوادث ، تتالى نزول الوحي وهو يبين ويحدد بدقة وبعزيمة وببطء شديد معالم الدين الجديد ، ويرسخ وحدانية اللّه ، ويقطع الصلة النهائية مع الآلهة الأخرى . وهكذا تحددت الرسالة المحمدية بصورة قطعية فلا إله إلا اللّه ولا شريك معه في ألوهيته وملكه . وإليه وحده يتوجه المؤمنون .
تغير الأسلوب القرآني في هذه المرحلة من الدعوة الإسلامية ، فأصبح أقل عصبية ، وأقل انبهارا ولهثا ، وأكثر ثقة وتأكيدا ، وأصبحت الآيات طويلة ، والنغم أكثر تناسقا ، واختفى أسلوب القسم وسجع الكهان ، ومع ذلك فقد بقيت اللغة إيجازية
Elliptique
، والقراءات عبارة عن مناظر مشكلة بطريقة درامية . والنصوص تخاطب الرسول الذي يخاطب بدوره أصحابه ومعارضيه بفعل الأمر « قل » . وتحتوي هذه النصوص على صور زاهية مشرقة متفائلة للمؤمنين ، وصور قاتمة مظلمة متشائمة للكافرين « 1 » .
عندما يتعرض « رودنسون » إلى سيرة النبي بعد هجرته إلى المدينة فإنه يشير ضمنا إلى خصائص القرآن في هذه المرحلة التي يصفها إجمالا بأنها انعكاس جلي لحياة الرسول في موطنه الجديد ، وتعليمات وأوامر ونواه تنظّم المجتمع الجديد عقيدة وشريعة . وتحديدا لدور الرسول الذي لا يزال متواضعا نسبيا ، إلا أنه على المؤمنين الرجوع إليه في حالة وجود نزاع بينهم ، فهو الحكم والقاضي طبقا لتوجيهات اللّه الصادرة إليه من عل كما تتحدث النصوص القرآنية عن الامتناع عن اللجوء إلى القوة لتسوية المنازعات ، أو الركون إلى نظام الثأر الذي كان من سمات المجتمع الجاهلي ، وأصبح اللجوء إلى القصاص أمرا حتميا ، فالقاتل هو وحده الذي يقتل ولا يمتد آثار الانتقام إلى عائلته ، ويعفى من القتل إذا رضي أولياء الدم بالدية أو عفوا عن الجاني بدون مقابل .
وتتحدث النصوص القرآنية في هذه الفترة عن ذلك الصراع الفكري والإيديولوجي الذي اندلع بين النبي واليهود المقيمين بالمدينة ، خاصة بعد أن حاول كلا الطرفين جذب الآخر إلى دينه وفشلهما في ذلك ، فاتسعت الهوة بينهما ، واندلع ذلك الصراع الفكري والثقافي بينهما طبقا لما نصت عليه الآيات بالخصوص . كما
هامش
( 1 )Ibid , p . 162 .