تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
أن يتجاهل تلك المقاطع المتقطعة الأنفاس ، المتناغمة ، والمتلاحقة بقوة وبشدة ، وتتابع النغمات لتصوير اللوحات الموصوفة فأحيانا يصور لوحة كاملة يكون فيها اللون زاهيا أو شاحبا ، ويكون فيها الظل شفيفا أو كثيفا . وأحيانا تكون اللوحة أشد تجهما من سواد الوجوه الشقية الباسرة ، كما صور لنا « بلاشير » و « ماكس آيستمان » ذلك ، لأن النغمة القرآنية تعكس الصورة سواء أكانت بيضاء أم سوداء ، زاهية أم شاحبة ، شفافة أم كثيفة . أما من حيث الموضوع ، فإن « رودنسون » يرى أن السور المكية الأولى ليس فيها ما يوحي على إتيان الرسول بدين رئيس جديد . ولا تحتوي هذه السور على أفكار ثورية أو مزعجة مكدرة . ثم إن إله محمد لم ينف وجود أو قدرة آلهة أخرى ، واكتفى في البداية بتجاهلها وعدم التحدث عنها . ولم تؤكد الآيات الأولى وحدانية اللّه المطلقة . ولعل محمدا في هذه الفترة قد اقتنع بالقدرة اللامتناهية لإلهه الذي هو إله اليهود والمسيحيين أيضا . وربما يكون قد اعتقد وجود جماعة من الآلهة الثانويين يحيطون به ، ولكن لا يتمتعون بقدرات حقيقية طالما كانوا يعتمدون على قدرة اللّه العلي ، ولكنهم أقوى قليلا من الجن والشياطين الذين اعترف بوجودهم بوصفهم بعض مخلوقات اللّه . إن تمجيد إله فوق الآلهة الأخرى دون إنكار وجودها هي ظاهرة معروفة لدى معتقدات المشركين وديانتهم ، وهذا النوع من الآلهة يطلق عليه اسم «
Henotheisme
» معروف لدى عرب الجزيرة . وربما يكون محمد قد تردد بين هذا النوع من الآلهة وبين التوحيد الحقيقي الذي يؤمن به اليهود والنصارى . وهكذا فإن إصرار محمد على قدرة اللّه لم يصدم أحدا بمكة ، خاصة أن أغنياء قريش لم يتأثروا بالدعوة الإسلامية في بدايتها طالما كانوا يستغنون بثرواتهم عن أية قدرة أخرى . حتى إن الإصرار على دفع الزكاة لم يكن شيئا غريبا بالنسبة لهم والتي تعتمد على تقاليد قبلية قديمة ما زالت حيّة في ضمائر العرب ، والمقترنة دوما بفضيلة الكرم التي يتبارون في الاتصاف بها ، كما أن الزكاة تتمشى وتلك الفكرة الدينية السائدة والقاضية بتقديم القرابين إلى الآلهة حتى يخففوا غضبهم عن العباد . كل هذه الأمور كانت مقبولة لدى قريش ، طالما كانت الدعوة المحمدية تمثل اتجاها دينيا وخلقيا معروفا لدى العرب . لكن هذه الأفكار الجديدة لم تلبث أن ساهمت في اندلاع نزاع عنيف ترجع أسبابه إلى عوامل عديدة متباينة منها : إن أول