تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
والمكاني والموضوعي ، غير أنه أشار في سياق الحديث إلى خصائص القرآن المكي الذي يمتاز - حسب رأيه - بأسلوب من النثر لم يكن معهودا لدى العرب قبل الإسلام . لأنهم يمتازون بالشعر ولا يتميزون بالنثر ، وهذه الخاصية استخدمها علماء الكلام المسلمون كدليل لا يمكن دحضه حول صحة القرآن ومصدر ألوهيته . ذلك أن هذا الأسلوب الأدبي الجديد الذي لم يعهده العرب لا يمكن تفسيره إلّا بالمعجزة الإلهية الدالة على صدق النبي في ما يقوله ، خاصة وأنه قد تحدى بهذا الأسلوب العرب على أن يأتوا بمثله وهم أهل البلاغة وفرسان الفصاحة . ويقر « رودنسون » بخاصية الأسلوب القرآني الذي لا يمكن تقليده ، ولكنه ينفي ألّا يكون لدى العرب قبل الإسلام أسلوب يضاهي الأسلوب القرآني إلّا أنه لا يمكن التأكد من ذلك طالما كانت النصوص المكتوبة مفقودة . وتصبح الدراسة المقارنة بينها معدومة . وهو بذلك يشك في بلاغة الأسلوب القرآني الذي لا يمكن تقليده ، ويورد في كتابه بعض من وصفهم بمفكري الإسلام الأحرار والذين كتبوا مؤلفات أطلق عليها « معارضة القرآن » إلّا أن هذه المؤلفات أعدمت ، ولم تصل إلينا كما أشار في ثنايا كتابه إلى المقال الذي نشره « نولدكه » حول « عيوب الأسلوب القرآني » « 1 » . وهكذا فإن الأسلوب القرآني في الفترة المكية لم يكن شعرا ، ولم يكن أسلوبا أدبيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى . ولكن الأسلوب في بدايته يقترب إلى سجع الكهّان . خاصة عندما يقسم بالنجوم والكواكب والعوامل الطبيعية الأخرى . وكانت الجمل تتتابع متقطعة الأنفاس ، وتتوارد المقاطع لاهثة ، قصيرة ، وتنتهي على هيئة نغمة واحدة « 2 » . إن هذا الصوت يقترب من سجع الكاهن ، مبتعدا عن نغمة الشاعر ، فالشاعر وهو يؤلف قصيدته عبارة عن فنان في مرسمه ، إلا أن الأسلوب القرآني يبتعد كثيرا عن الشعر التقليدي ، وكان القرآن واضحا في هذا الصدد عندما قال :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
« 3 » . يمتاز الأسلوب القرآني في بدايته بجفاف الصور القرآنية ، ولكن لا يمكن للمرء
هامش
( 1 )Ibid , p . 120 .( 2 )Ibid , p . 123 .( 3 ) سورة يس ، الآية : 69 .