أوضاع النساء وحقوقهن ، وواجباتهن ، وتحديد العبادات وتفصيلها وكيفية أدائها ، وبيان الحلال والحرام ، وتنظيم الجهاد والمشاركة فيه بالأرواح والأموال ، وعلى العموم فإن هذه النصوص هي التي وضعت اللبنة الأساسية لبناء تشريع إسلامي عالمي ستكون له مكانته السامية بين التشريعات العالمية .
هكذا عرضنا إليك باختصار رأي « بلاشير » حول القرآن المكي والمدني ، وهو ليس بخاف على ذوي البصيرة والأفهام من حيث الأغراض التي رمى إلى تحقيقها من وراء هذا السرد الذي سنتعرض له تحليلا ودحضا في مقبل الصفحات .
عالج « رودنسون » النصوص القرآنية شكلا وموضوعا في كتابه « محمد » . غير أنه لم يشر إلى التقسيم الذي تعارف عليه المسلمون والمستشرقون بين المكي والمدني ، إلّا أنه في سياق حديثه عن السيرة النبوية أشار إلى خصائص القرآن في المرحلتين وفي المكانين : مرحلة ما قبل الهجرة ومرحلة ما بعد الهجرة ، أي في مكة ثم في المدينة .
وقد تحدث في هذا المبحث مطولا وسنختصر لك ملخص رأيه في نقاط محددة دقيقة منها : أنه بدراسة الآيات الأولى المنزلة على محمد نلاحظ ذلك التردد ، وتلك الخشية والرهبة ممّا يتنزّل عليه ، ولجوئه إلى تغطية جسده ، واحتماءه بزوجته ، ولجوئه إلى « ورقة بن نوفل » لاطمئنان نفسه القلقة ، وأنه يشك فعلا في تلك البحوث التي تصف النبي بالمحتال والمزور والكذاب ، لأن محتوى هذه الآيات وما رافقها من مظاهر خارجية للنبي تبعد عنّا تلك النظرية القائلة : إن محمدا قد اخترع هذه الأمور اختراعا ، واختلقها مسبقا لتحقيق غايات ذاتية ، ولأن هذه الآيات تبدو صحيحة صادقة ، صادرة من شخص يعتقد مخلصا بأنه يتلقاها من الغيب . ومن هنا فإنه من الصعوبة القول : إن محمدا محتال ، بل إن الحقائق العلمية والروايات والأسانيد الصارمة تجعلنا نجزم أن محمدا كان صادقا مخلصا « 1 » .
ثم يعود « رودنسون » إلى الشك في صحة الوحي ويدعي في هذا الصدد أن النبي أمام مواجهة الأحداث الطارئة ، والمشاكل اليومية العارمة ، أصبح مترددا في اتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بالأمور السياسية ، والتشريعية ، والتطبيقية ، فقد كان يسأل من قبل أصحابه ومن قبل العديد من الناس عن المسائل الاعتقادية والعادية ، وكان ينتظر الوحي للإجابة عنها ، وأحيانا يجيب عنها من تلقاء نفسه ، فلا يكون التوفيق
هامش
( 1 )Rodinson ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 104 .