تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
أما في ما يتعلق بالوحي الإلهي فإن النصوص القرآنية عالجت حياة هذه الجماعة في سرائها وضرّائها ، وقدمت لنا الحوادث التاريخية الهامة التي مرت بها . وبلغ مجموع السور التي نزلت بالمدينة أربعا وعشرين سورة وهي متناثرة في المصحف دون ترتيب زماني أو مكاني أو موضوعي ، هذا بالرغم من وضع المسلمين للسور الطوال في أول الكتاب ، والسور المتوسطة أخذت مكانها وسط الكتاب ، وفي آخره أيضا . وتميزت النصوص القرآنية في هذه المرحلة بإيراد أحكام التشريع خاصة في مجال قانون العقوبات كالنص على عقوبات الحدود الرئيسة . كما كانت العبارات المستخدمة في هذه النصوص تحث على إطاعة اللّه ورسوله ، وعلى المسلمين الطاعة والخضوع لأوامر اللّه ونبيّه ونواهيهما دونما جدل ومعارضة . كما يتضح أن هذه الأوامر والنواهي أصبحت واضحة جلية لا غموض فيها ولا إبهام . وأصبحت المقاطع القرآنية طويلة ، لا تحتوي على ذلك الأسلوب المتقطع اللاهث المتقطع الأنفاس . ومع ذلك فإن التباين الأسلوبي للنص القرآني في المدينة واضح في بعض الأحيان . فبجانب الآيات القصيرة النارية المهددة توجد الآيات الطويلة المطمئنة الهادئة ، ومع ذلك فإن الوحي المدني يمتاز بالتناسق والوضوح لمواجهة متطلبات الحقائق المستجدة في هذه المرحلة من الدعوة المحمدية . إن القرآن المدني يحتوي على العديد من القضايا التي عالجها القرآن المكي . كالعودة إلى مسألة الأنبياء القدماء ومصير أقوامهم ، وتهديد المشركين والمنافقين ، بالويل والثبور ، ولكن هناك قضايا جديدة عالجتها النصوص المدنية واقتضتها التطورات السياسية للدعوة الإسلامية ، كالعلاقات الدبلوماسية مع جيران المسلمين ، وقضايا السلم والحرب والصلح والهدنة ، غير أن القرآن خلافا للكتب السماوية الأخرى لا يبرز هذه الأحداث وتسلسلها من الناحية الزمانية ، ولكنه يوردها في سياق الأوامر ، والنواهي ، والعظة والاعتبار ، وتنظيم المعاملات الدينية والدنيوية ، ومن هنا كان قولنا : إن القرآن ليس كتابا تاريخيا . تمتاز النصوص القرآنية المدنية بمحاولة التفاهم مع اليهود ، ومجادلتهم مع النصارى بالتي هي أحسن . إلّا أن الجدل والنقاش قد احتدم بين الطرفين عندما يئس كل طرف من اجتذاب الآخر إلى عقيدته ، وتحول الجدل والخصام الديني والعقدي والثقافي إلى خصام حربي بلغ أقصى مداه ، وذلك بانتصار الجماعة الإسلامية على