تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
قد تغيّر هو الآخر في الخطاب فكان يستعمل تعبير « أيها الناس » . وهكذا لم يعد الوحي موجها لأهل مكة وحدهم ، وإنما أصبح يخاطب الناس كافة « 1 » . إن هذه الاستمرارية في الشكل والموضوع اقتضاها التحول الطفيف الذي أملته الظروف المحيطة بالدعوة الإسلامية في هذه المرحلة والتي يمكن تصنيفها إلى عوامل ثلاثة عامة : الإشارة إلى فشل الأنبياء الأقدمين ، وتأكيد أن الإسلام دين سينشره اللّه في الآفاق ويظهره على الدين كله ، وحث أتباعه على الصبر والتحمل ومواجهة الصعاب بقلب مليء بالثقة والإيمان بأنهم سينصرون في مقبل الأيام . وتهديد مشركي قريش من أنه سيصيبهم ما أصاب الأقوام الغابرة إن هم أصروا على موقفهم العدائي للرسول ودعوته . وفي هذه المرحلة من الدعوة الإسلامية تأكدت أبوة « إبراهيم » للعرب باعتباره أب إسماعيل جدهم المباشر ، كما تأكد تأسيسه للحنيفية ، وهي الديانة البدائية التي بشّر بها الأنبياء كافة وتجاهلتها الشعوب الملحدة ، وقد اتضح ذلك جليا في سورة « إبراهيم » . وقد تعزز المفهوم الإبراهيمي بالمدينة أيضا . ومن خلال هذا المفهوم ذاته اعتمد « لوي ماسينيون » على إيجاد تلك العلاقة الوطيدة التي تربط إسرائيل بالعالم الإسلامي « 2 » . وعندما عالج « بلاشير » خصائص القرآن المدني فإنه أشار في مقدمة بحثه إلى ذلك التغيير السياسي الاجتماعي المرتكز على القوانين الجديدة والمرتبطة بالوحي الإلهي . واختلف دور محمد في هذه المرحلة بحيث لم يعد ذلك النبي الذي اصطفاه اللّه لنشر رسالته في الصحراء ولكنه أصبح رئيسا لجماعة دينية فرضت عليها الظروف المحيطة بها أن تتميز في مظهرها وسلوكها وعبادتها . هذه الجماعة التي عليها مواجهة ليس المشركين فحسب ولكن ثلاث قبائل يهودية منظّمة تنظيما دقيقا في المدينة ، وخلقت لنبيها العديد من المشاكل الدينية والدنيوية على حدّ سواء . كما أن علاقة هذه الجماعة مع مشركي مكة لم تلبث أن تحولت إلى نزاع مسلح كان النصر فيه حليفها أولا ، ثم كانت الهزيمة من نصيبها في معركة أحد ، ثم توالت الحروب سجالا إلى أن انتهت إلى غايتها وهي عودة النبي إلى مسقط رأسه فاتحا مكلّلا الغار .
هامش
( 1 )Ibid , p . 42 .( 2 )Ibid , p . 46 .