باللّه وحده دون سواه ، والتنديد بتصرفات الأغنياء ، واستغلالهم للعبيد والفقراء ، فخافت قريش على امتيازاتها الطبقية وعارضت الدعوة باعتبارها إصلاحا اجتماعيا أكثر من كونها عقيدة دينية « 1 » .
تمتاز النصوص القرآنية في هذه المرحلة بوحدة الأسلوب ، فالآيات تتكون عادة من ستة إلى عشرة مقاطع ، كما أنها تتعاقب على وتيرة واحدة بقافية موحدة غنية بالمعاني . وفي الغالب الأعم تكون هذه الآيات على هيئة غناء رتيب ، وغالبا ما تبتدئ هذه النصوص المقدسة بالقسم بالكواكب والنجوم والجبال مؤلفة في النهاية تجسيدا لها . وتمتاز هذه النصوص بأسلوبها الشعري الغنائي ودورها المهلوس المذهل « 2 » .
أما المرحلة الثانية من الدعوة المحمدية بمكة فإنه يمثلها الاثنان وعشرون حزبا ابتداء من سورة الكهف حتى نهاية سورة النجم . وهي سورة مركبة طويلة . وهذا البناء التركيبي يتجلى واضحا في سورة الكهف التي استخدم فيها اسم « الرحمن » بجانب الأسماء الأخرى التي تدل على وحدانية اللّه . وهذه المفردات وأمثالها لها علاقة وطيدة بالمفاهيم التي أفصح عنها القرآن في هذه الفترة . والتي يتحدث فيها عن اللّه خالق السماوات والأرض ، الذي جعل الأرض مهدا ، وجعل فيها للناس سبلا ، والذي أنزل من السماء ماء فنشر به بلدة ميتا ، والذي خلق الأزواج كلها وجعل للناس من الفلك والأنعام ما يركبون « سورة الزخرف ، 9 ، 10 ، 11 ، 12 ، 13 » . وفي هذه المرحلة اندلعت القطيعة النهائية بين الجماعة الإسلامية الصغيرة وأعدائها . ومقاطع من سورة « المؤمنون الآيات 81 ، 83 ، 90 ، 92 » تدل على هذه القطيعة الكاملة . وتأكدت في هذه المرحلة عقيدة الوحدانية ، وتطور دور النبي من مبشر ومنذر إلى غايات أخرى ، وأصبح الجحيم تهديدا لمشركي مكة الذين أنكروا دعوة النبي « 3 » .
ويقول « بلاشير » : إنه خلال هذه الفترة لم نجد إلّا بصورة عشوائية تطور قضية « النبي الذي يعظ في الصحراء » ، بل العكس هو الصحيح فإنه في هذه الفترة ازداد عداء المشركين للنبي . وأصبحت هذه القضية تتخذ منحى جديدا . ولكي يصل محمد إلى غاياته ، أصبحت الدعوة تشير إلى القصص والأساطير المعروفة في الجزيرة العربية ،
هامش
( 1 )Ibid , p . 37 .( 2 )Ibid , p . 38 .( 3 )Ibid , p . 39 .