فبعد أن تتحدث الآيات عن الإيمان والوحدانية للّه ، تأتي بقصص الأقوام والقبائل والشعوب التي كفرت برسلها وكذّبتهم ، فأرسل اللّه عليها الكوارث حتى صيّرتها خرابا يبابا ، كقوم عاد ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وفرعون وقوم نوح . وتقارن النصوص القرآنية بين رسالات هؤلاء الأنبياء ورسالة النبي إلى قومه ، وتهديدهم بأن العذاب الذي لحق بتلك الأقوام قد يصيبهم هم الآخرون إذا استمروا في غيّهم . ومن هنا تطورت تلك المقولة التي تحدد وعظ النبي في الصحراء إلى الاستئناس بالقصص الواردة في الأناجيل ، وفي هذه المرحلة تأثر القرآن بالكتب المقدسة القديمة « 1 » .
أما بالنسبة للأسلوب القرآني فإنه قد اختلف بصورة جذرية عمّا كان عليه في المرحلة الأولى بمكة . فالآيات أصبحت مقاطعها طويلة بحيث تحوي ما بين اثني عشر وعشرين مقطعا ، وخفّت حدتها الداخلية بحيث لم تعد تحتوي على تلك المقاطع المنقطعة الأنفاس ، والملتهبة الممزوجة بالهلوسة والذهول . وأصبح الرسول أكثر ثقة بنفسه عمّا مضى ، وتحدى القوم بأساليب وحجج جديدة . وحل أسلوب القدح والذمّ محل الأسلوب الشعري الغنائي القديم « 2 » .
أما بالنسبة للمرحلة الثالثة المكية فإن المستشرق « نولدكه » يلاحظ من خلالها عدم وجود فوارق جذرية بينها وبين تلك التي سبقتها ، لأنها تعتبر امتدادا لها سواء من حيث الشكل أو الموضوع ، ولكن هذا التناسق ليس مطلقا في كل الأحوال إذ إنه يمكن التمييز بينهما من حيث الموضوعات الجديدة كإسراء النبي إلى بيت المقدس وعروجه إلى السماء ، وأثر ذلك على الدعوة من حيث تكذيب قريش بها ، وارتداد بعض المسلمين عنها ، كما تميزت هذه المرحلة بتغيير شكل الوعظ والإرشاد ، فأصبح الرسول يهدد قومه بالويل والثبور ليس فقط في الآخرة ، ولكن في حياته الدنيوية أيضا . كما أن النصوص القرآنية أصبحت تواجه « طبيعة الأشياء » الجديدة ، والموقف الذي يتطلب من الرسول اتخاذه بعد وفاة عمه الذي كان يسبغ عليه الرعاية والحماية . فواجهه قومه بالعداوة الساخرة ، وهاجر أتباعه الضعفاء إلى الحبشة ، وذهب شخصيا إلى الطائف لنشر دعوته لإيجاد مأوى له هناك ، إلّا أن أهل تلك المدينة قابلوه بالصدّ والإعراض . وكان من الطبيعي أن تعالج النصوص القرآنية هذه الأمور المستجدة . وكان الأسلوب القرآني
هامش
( 1 )Ibid , p . 40 .( 2 )Ibid , p . 40 .