تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
« بلاشير » في هذا الصدد وهو يورد آراء « نولدكه » و « شفالي » بصورة مقتضبة عندما نطلع وندرس بعمق الآيات القرآنية الأولى ، نجد محمدا قلقا مترددا ، يائسا أمام المهمة الشاقة التي كلّف بها . فالثلاث والعشرون سورة الأولى تنبئنا عن الخبرة المبدئية للنبي الجديد . إنه لا يزال في هذه الفترة تحت وطأة « النداء الإلهي » ، وأصبح خياله مشوبا بالكوارث والمصائب التي ستصيب العالم وتقرّب من يوم الحساب . والساعة تقترب رويدا رويدا دون أن يتمكن من تحديدها بدقة . وسيصاب الناس بالذهول أثناءها . فهو يصور هذه اللحظات تصويرا دراماتيكيا عندما يذهل المرء عن زوجته وبنيه وعشيرته لأن كل امرئ يومئذ له شأن يغنيه والأرض ستتبدل غير الأرض ، وسيبعث الموتى من قبورهم ، وتدق ساعة الحساب ، وسيكون الجزاء من جنس العمل ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . تمتاز هذه المرحلة بالتشديد على ألوهية الرسالة المحمدية ، والدعوة إلى الوحدانية ، وفي مواضيع مختلفة يحدد القرآن بوضوح وجلاء دور النبي الجديد ورسالته ، وهو دور متواضع لا يخرج عن كونه بشيرا ونذيرا . وإن اللّه هو خالق كل شيء ، وهو المهيمن على كل شيء ، ولا يستطيع أحد من الخلق رؤيته ، ورسالته تنقل إلى النبي عن طريق الملك جبريل ، ومنذ هذه اللحظات تشير النصوص القرآنية إلى الصراع الذي اندلع بين النبي ومعارضيه بمكة حينما سفّه أحلامهم ، وسخر من أصنامهم ، وأبان عن جهلهم عندما اعتقدوا أن القرآن ليس وحيا من اللّه ولكنه أساطير الأولين . ويعتقد « بلاشير » أنه خلال هذه المرحلة الأولى من الدعوة الإسلامية فإن النصوص القرآنية كانت غامضة في ما يتعلق بتأكيد العقيدة الإسلامية وهي « الوحدانية » ، بل إنها خالية من تسفيه آلهة قريش ، إلّا أن التأكيد جاء قاطعا بعدئذ حول هذه القضية ، عندما جاءت النصوص مؤكدة وحدانية اللّه الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد « 1 » . ويرى « بلاشير » أن المعارضة القرشية للنبي لم تكن قوية في بداية الدعوة . ولكن القطيعة أصبحت كاملة بين الطرفين بعد أن دعا النبي قريشا إلى نبذ آلهتها ، والإيمان
هامش
( 1 )Blachere , Le Coran , op . cit , p . 36 .