والقمر ، والنهار ، والأرض ، والفجر وليال عشر . إلا أن اللجوء إلى القسم بهذه الظواهر الطبيعية أخذ في التناقص شيئا فشيئا حتى اختفى نهائيا في السور المدنية « 1 » .
أما في الفترة المكية الثانية والبعيدة نسبيا عن بداية البعثة . فإن السور القرآنية تتميز بإيراد الأساطير الإنجيلية ، تلك الأساطير التي تعكس انقلاب محمد المفاجئ في دعوته وصراعه ضد معارضيه في مكة . كما تميزت بإيراد قصص الأنبياء السابقين ، ومصير أقوامهم المهلكة عندما خالفوهم . كما خرج لأول مرة في القرآن كلمة « الرحمن » التي يقصد بها « اللّه » . ووردت بها عبارة « أيها الناس » التي استبدلت في السور المدنية بعبارة « يا أيها الذين آمنوا » . كما أن السور القصيرة أصبحت تطول شيئا فشيئا . كما حصل تغيير في الأسلوب ذاته . فبعد أن كان مثل سجع الكهان أصبح أكثر وضوحا وتماثلا للنثر العربي . وخلال السنوات العشر الأخرى من بعثته لم يهاجم الرسول مطلقا اليهود والنصارى الذين اعتقد أنه سيكون على علاقة طيبة معهم نظرا للتقارب في مبدأ التوحيد الذي تؤمن به الديانات الثلاث ، كما كان يعتبر أن رسالته هي تكملة للرسالات السماوية الأخرى إلا أنها مكيّفة طبقا لاحتياجات العرب الذين لم يبعث فيهم نبي إلى الآن « 2 » .
أما بالنسبة إلى السور المدنية فإن « لامانس » يقول : إنه من السهل التعرف إليها وتمييزها عن السور المكية في عهديها سواء من حيث الشكل أو الموضوع . فمن حيث الشكل أصبح أسلوبها يقترب إلى النثر العادي خاصة في الآيات المنظمة لأمور التشريع . وتطورت الجملة القرآنية بحيث أصبحت أحيانا وحدة متكاملة في حد ذاتها ومعبرة عن مرحلة كاملة معينة . وابتعد الأسلوب عن السجع المكي حتى يكاد يختفي تماما في هذه المرحلة . كما أن النغم قد تغيّر عمّا كان عليه بمكة فأصبح أكثر ثقة وأكثر تناسقا . ونحس في هذه المرحلة بصوت رئيس ومشرع يفصل في الأحكام الدينية والمدنية ، والجنائية . ذلك أن الهجرة قد فتحت لمحمد بابا واسعا للأخذ بالأسباب الدنيوية وتنظيمها أكثر مما فعل بمكة عندما اهتم بشؤون الآخرة . وجاءت الأوامر متتالية « أطيعوا الرسول » ، « ادفعوا زكاة أموالكم » . . . إلخ . كما وضعت جانبا تلك السور المكية التي تنذر باقتراب يوم القيامة . كما أصبحت مجادلة الكفار نادرة ، إلا أن
هامش
( 1 )H . LAMMENS , L'islam , op . cit , p . 60 .( 2 ) المرجع السابق ، ص 61 .