« المكي ما نزل قبل هجرة الرسول إلى المدينة ، وإن كان نزوله بغير مكة ، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة » « 1 » .
بذل المسلمون مجهودا مشكورا في تتبع نزول القرآن من حيث الزمان ، والمكان والأشخاص . بل إن علماءهم تتبعوا تاريخ كل آية ، ومتى نزلت ، وفي أي شيء نزلت ، وهم عندما بذلوا هذا المجهود الجبار في تحري الروايات وضبطها كان غرضهم تتبع تطورات الدعوة الإسلامية في أدق جزئياتها ، وبيانا لكل تطوراتها ومراحلها ، وتعريفا للأحكام والشرائع النازلة بها .
حاول المستشرقون ترتيب القرآن الكريم من حيث الزمان ، وأنحوا باللائمة على علماء المسلمين الذين يرونهم مقصّرين في هذا الميدان بدعوى إنكار كل أثر للروايات الصحيحة في هذا الترتيب . ولكن عندما حاولوا هم الآخرون القيام بهذا الترتيب الزمني فإنهم لم يستطيعوا تجاوز منهج علماء المسلمين في هذا الصدد وذلك باعتمادهم على الروايات دون غيرها . فالمستشرق « جريم » اعتمد على الروايات والأسانيد الإسلامية في ترتيب سور القرآن « 2 » . ولكن هذا المستشرق حاول إصلاح ما اعتقد أن علماء المسلمين قد أخطئوا فيه وهو تمحيص صحيح تلك الروايات من سقيمها إلا أن الفشل هو الآخر كان حليفه لأنه قد عجز عن هذا التمحيص أيضا كما اتهم به المسلمين في هذا الصدد . ثم إنه عندما باشر في ترتيب القرآن اختط لنفسه منهجا يتحدد في احترام تلك الروايات ودراستها وتمحيصها وتحليلها ليصدر في نهاية بحثه حكمه القاضي بوصف وتحديد المراحل الزمنية المتعاقبة على الوحي القرآني ، إلا أنه في ثنايا بحثه حاد عن هذا المنهج الذي ارتضاه ، ولم يحترم تلك الروايات التي حددت منذ البداية مراحل الترتيب القرآني من حيث الزمان .
وهذا المستشرق الألماني الكبير « نولدكه » يقتنع منذ البداية بضرورة ترتيب القرآن ترتيبا زمنيا مخالفا للطريقة الإسلامية . فسلك منهجا آخر في هذا الترتيب ، إلا أنه وصل إلى نتيجة علمية مفادها استحالة هذا الترتيب طبقا للمعطيات المبثوثة في الروايات والأسانيد وصولا إلى نتيجة علمية سائغة « 3 » . ولكنه استطاع ترتيب القرآن ترتيبا متواليا
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان ، المرجع السابق ، جزء 1 ، ص 87 .
( 2 )Blachere , Introduction , op . cit , p . 250 .( 3 )Blachere , Coran , op . cit , p . 17 .