ذلك أن الأحرف السبعة أعم من القراءات المنسوبة إلى القراء السبعة ، لأن الوجوه التي أنزل اللّه عليها كتابه تنظم كل وجه قرأ به النبي وأقرأه أصحابه ، وذلك بتنظيم القراءات السبع المنسوبة إلى أولئك القراء ، ولهذا نصّ الفقهاء على أنه يشمل وجوه القراءات صحيحها وشاذها ومنكرها « 1 » .
ومن الطبيعي أن يفرق المرء بين الأحرف السبعة ، والقراءات السبع ، لأن من نسبت إليهم هذه القراءات لم يكونوا موجودين حين نطق الرسول بحديث « الأحرف السبعة » المنوه عنه . ومن ثم يستحيل أن تكون الأحرف هي القراءات ذاتها .
وملخص القول : إن القرآن لم يخضع للاضطراب والتباين نتيجة وجود الأحرف السبعة ، لأنها عبارة عن لهجات تباينت عندما تناولت القبائل المختلفة قراءة القرآن ، وقد جد العلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه . وأقاموا له علوما خاصة استقصت جميع جوانبه . وقد فطن إلى ذلك المسلمون الأوائل الذين أدركوا ما لهذه الأحرف من آثار على صحة النص القرآني ، فأشاروا على الخليفة عثمان بجمع القرآن على حرف واحد ، ورفضت القراءة بالأحرف الستة الأخرى وكان الذي فعلوا من ذلك - كما قال الطبري - هو النظر إلى الإسلام وأهله ، فكان القيام بفعل الواجب عليهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك « 2 » .
فإذا كان الأمر كذلك ، فإن شبهات المستشرقين حول صحة النص القرآني لم تقف عند هذا الحدّ عندما تناولوه من حيث زمان ومكان وموضع تنزيله ، وحاولوا القدح في صحته وتأكيد بشرية مصدره استنادا إلى التمييز بين القرآن الذي نزل بمكة وذلك الذي نزل بالمدينة ، فما شبهاتهم في هذا الخصوص يا ترى ؟ .
المبحث السادس المستشرقون والقرآن المكي والمدني
عندما نتناول هذا المبحث فإن الأمر لا يعنينا استقصاء القرآن الذي نزل بمكة ، والقرآن الذي نزل بالمدينة ، ولا يعنينا تحديد الآيات التي نزلت بين المكانين . ولا
هامش
( 1 ) الزرقاني ، المناهل ، المرجع السابق ، ص 191 .
( 2 ) الطبري ، التفسير ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 22 .