يعنينا في هذا المقام تتبع تدرج التنزيل القرآني مرحلة مرحلة منذ بداية الوحي حتى وفاة الرسول ، لأننا لا نتتبع تحري الروايات وضبطها المتصلة بترتيب السور القرآنية تبعا لتطورات الدعوة الإسلامية في أدق جزئياتها . ولأننا لا نبتغي ترتيب القرآن ترتيبا زمنيا كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين ولكننا نبتغي معالجة هذا الموضوع من حيث خصائص القرآن الذي نزل بمكة وذلك الذي نزل بالمدينة لأن المستشرقين قد شككوا في صحته من خلال الزمان والمكان الذي نزل بهما . ولكننا ملزمون بالتعرض إلى هذه الخصائص التي أوردها المسلمون ومن بعدهم المستشرقون حتى نتبينها أولا ، ثم نرد عليها ثانيا ، ومع ذلك فإن العلم بالقرآن المكي والمدني الذي أفرد له المسلمون مؤلفات ومباحث مطولة لا يخلو من فائدة علميّة في حد ذاته ، فبه نتمكن من معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ، ومعرفة تاريخ التشريع الإسلامي وتدرجه ، ونؤكد ثقتنا بوصوله إلينا سالما من التغيير والتحريف والتبديل . وليست لنا مناهج علمية محددة يمكننا الاستناد إليها للتمييز بين مكّي القرآن ومدنيّة إلا استنادا إلى رواية الصحابة والتابعين ، لأن الرسول عليه السلام لم يخض في هذه القضية منذ بدايتها ، ولأنه لم يأمر أصحابه بالاهتمام بها . ولأنهم لم يكونوا في حاجة إلى تبيان هذه القضية أصلا لأنهم كانوا شهود إثبات على الوحي والتنزيل .
ونحن نطمئن ونثق تمام الثقة بهذه الروايات التي ميزت بين القرآن المكّي والمدني ، لأن القيام بهذه المهمة لم يسخر لخدمة أغراض مذهبية أو سياسية ، بقدر ما كان مسخّرا للتعرف إلى تدرج الشريعة الإسلامية وأحكامها ، واستيفاء البحث في مراحلها ، والتطلع إلى مدى تجاوبها مع البيئة العربية ، والوقوف على أساليبها المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين وأهل الكتاب « 1 » .
ومن هنا قام المسلمون بترتيب السور القرآنية وقسموها على أساس من الزمان أو المكان أو الأشخاص . فمنهم من قسم نزول القرآن من حيث المكان عندما قال :
« المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة ، والمدني ما نزل بالمدينة » . ومنهم من رتب النزول على أساس الأشخاص عندما قال : « المكي ما وقع خطابا لأهل مكة ، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة » . ومنهم من رتب النزول على أساس الزمان عندما قال :
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، المرجع السابق ، ص 167 .