واستند « جولد زيهر » في كثير من مقاطع كتابه إلى جواز قراءة القرآن بالمعنى تأسيسا على اختلاف الأحرف السبعة حتى وإن لم يطابقه حرفية اللفظ . وأشار بالخصوص إلى واقعة « عبد اللّه بن أبي سرح » وادعائه في أنه كان يحول النبي كما يريد وقد تعرضنا لهذه الفرية وأثبتنا دحضها . ونضيف إلى أن هذه الاختلافات حصلت قبل جمع القرآن في مصحف عثمان ، أما بعده فإن النص القرآني أصبح موحدا لفظا ومعنى . ونتحدى كائنا من كان أن يثبت ذلك الاختلاف والاختلاط الذي أصرّ « جولد زيهر » على وجوده في القرآن الذي بين أيدينا .
واستنبط « جولد زيهر » أن اختلاف الأحرف السبعة وقراءة الناس بها يرجع إلى تلك الحرية المطردة إلى حدّ الحرية الفردية كأنما كان سواء لدى الناس أن يروا النص على وجه لا يتفق بالكلية مع صورته الأصلية « 1 » . إلّا أنه يناقض هذه الفكرة تماما بعد قليل عندما ذكر أن مثل هذه الحرية لا تشجع الإيمان الثابت بحصانة نص الكتاب المقدس . كما أن هذه الحرية أثارت من ناحية أخرى عدم ارتياح في دوائر أشد محافظة في التفكير ، وأما أنه لم يكن يعد بديهيا في كل مكان أن تقبل هذه الحرية ، لا بالنظر على أنها تعبير عن الحيطة الصامتة فحسب ، بل بالاعتراف لها بحق أساسي في الصحة ، ثم استشهد على ذلك بتلك القصة المنصبّة على وصف نعيم الجنة طبقا للآية 26 من سورة الواقعة من أن أصحاب اليمين ينعمون في « طلح منضود » . وهنا روي عن عليّ أنه قال ما شأن الطلح ؟ إنما هو : « وطلع منضود » ثم قرأ :
طَلْعُها هَضِيمٌ
« الآية 148 من سورة الشعراء » . فقال له الحاضرون : هل تريد أن تحولها إلى هذا المعنى ؟
فقال علي : إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوّل « 2 » .
وهكذا نرى « جولد زيهر » يناقض نفسه حول حرية قراءة القرآن بالمعنى فمرة يجيزها ، ومرة يذكر القصص التي تناقضها . ثم إن هذا المثل الذي ضربه حول علي يؤكد تمسك المسلمين بصحة نصهم القرآني الذي لا يسمحون لأي أحد مهما كانت صفته وعلا قدره أن يغيّر فيه من تلقاء نفسه .
أرجع « جولد زيهر » الاعتدال في قراءة القرآن على الأحرف السبعة إلى ذلك الحديث النبوي الذي أشرنا إليه سابقا والذي حدد نزول القرآن على سبعة أحرف .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 48 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 52 .