لم تنسخ فترفع ، ولم تضيّعها الأمة وهي مأمورة بحفظها ، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت ، كما أمرت ، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة ، أن تكفّر بأي الكفارات الثلاث شاءت : إمّا بعتق أو إطعام أو كسوة . فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفّر كانت مصيبة حكم اللّه مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق اللّه . فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته وخيّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت ، فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد ، قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية ، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به « 1 » .
أما عن العلة التي حدت بالمسلمين إلى الإبقاء على حرف واحد وطرح ما عداه فهي خشيتهم اختلاف المسلمين في قراءة القرآن وتفرقهم فيه تفرق اليهود والنصارى ، وهي العلة التي دفعت عثمان إلى جمع القرآن في مصحف واحد كما أسلفنا في المبحث السابق .
هذه هي قضية الأحرف السبعة كما وردت طبقا للنظرية الإسلامية ، فما وقعها على المستشرقين ؟ . وكيف فسروا وجودها على أنه دليل لا يقبل الدحض على تضارب القرآن الكريم ، وحصول تغيير فيه بالزيادة والنقصان ؟ .
عالج « جولد زيهر » هذه القضية معالجة موسعة في كتابه « مذاهب التفسير الإسلامي » مفتتحا كتابه بتلك العبارة التعسفية التي أطلقها كفرضية مسلّم بها ثم حاول تطويع بحثه بالكامل للبرهنة على صحتها وهي : « لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا على أنه نص منزّل أو موحى به ، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات ، كما نجد في نص القرآن » « 2 » .
وقد أورد « جولد زيهر » تلك العبارة التعسفية استنادا إلى تعدد وجوه القراءات ، ويستطرد في هذا الصدد قائلا : « ليس هناك نص موحد للقرآن ، ومن هنا نستطيع أن نلمح في صياغته المختلفة أولى مراحل التفسير . والنص المتلقى بالقبول ، الذي هو لذاته غير موجود في جزئياته ، يرجع إلى الكتابة التي تمت بعناية الخليفة الثالث عثمان دفعا
هامش
( 1 ) الطبري ، التفسير ، المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 20 .
( 2 ) جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 4 .