لعدم التجريح في سلسلة الرواة ، إلّا أننا لو طبقنا القاعدة القاضية بمقابلة الحديث بالقرآن للنظر في اتفاقه معه أو معارضته إياه لوجدنا أن هذا الحديث - أي حديث الأحرف السبعة - ، يعارض صراحة النصوص القرآنية التي نجد فيها :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 1 » . وفيها :
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
« 2 » .
ثم إن الأمة قد تواتر لديها عدم قيام الرسول بتغيير أو تبديل ما ينزل عليه من القرآن ، وأنه ما إن ينزل عليه شيء منه إلّا أمر كتّابه بتدوينه ، طبقا للّسان الذي ورد به حال نزوله عليه .
ثم إنه لو عقدنا مقابلة بين حديث الأحرف السبعة وبين حديث آخر مروي عن الرسول أنه علّم « البراء بن عازب » دعاء فيه « ونبيّك الذي أرسلت » فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول اللّه قال : « ورسولك الذي أرسلت » ، فلم يوافقه النبي على ذلك ، بل قال له : « لا ، ونبيّك الذي أرسلت » . وهكذا نهى الرسول البراء أن يضع لفظة « رسول » بدلا من لفظة « نبي » مع أن كليهما يؤدي معنى واحدا لاستنتجنا ضعفه ، ثم كيف كان الرسول يجيز أن يوضع في القرآن مكان عزيز حكيم ، غفور رحيم ، أو سميع عليم . وكيف يمكننا قبول الرواية التي تذكر أن « عبد اللّه بن مسعود » أقرأ رجلا كلمة « الفاجر » بدلا من كلمة الأثيم في الآية :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ
مع ورود المنع عن تغيير أي حرف من حروف القرآن ، وهل يعقل قيام ابن مسعود بذلك ، وسكوت الصحابة على عمله ، لو صح أنه فعل ذلك ؟ « 3 » .
ثم إننا لو سايرنا من ذهب إلى أن القرآن قد أنزل على سبعة أحرف أي سبع لغات مختلفات ، فإن مصحف عثمان مع ذلك لا يحتوي إلّا على حرف واحد من الأحرف السبعة المختلف عليها . وبيان ذلك أن الإمام الطبري نفسه يتساءل عن وجود الستة الأحرف هل هي قد نسخت فرفعت ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما الدليل على نسخها ورفعها ؟ . يجيب الطبري عن هذين التساؤلين بقوله : « إن هذه الأحرف الملغاة
هامش
( 1 ) سورة البروج ، الآية : 22 .
( 2 ) سورة يونس ، الآية : 15 .
( 3 ) د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الثامن ، المرجع السابق ، ص 622 .