القرآن إلينا في تلك الفترة شفاها فقط . وجميع المصادر التي أرخت لتلك الفترة تشهد بوجود أناس بمكة يعرفون القراءة والكتابة . بل إن أهل البوادي في العصر الجاهلي كانوا يعرفون القراءة والكتابة بدليل وجود نصوص جاهلية مبعثرة في أماكن بعيدة عن الحضارة تدل على معرفة أهل البادية بالقراءة والكتابة . أما أهل الحضر فكان العديد منهم يكتبون ويقرءون . خاصة الحنفاء الذين قرءوا الكتب المقدسة الأخرى وبلغات عبرية وأجنبية كما هو الحال مع ورقة بن نوفل . وعندما ظهر الإسلام بمكة كان بها قوم يعرفون القراءة والكتابة ، بل واطلعوا على كتب اليهود والنصارى وكتب فارس أيضا . وواقعة فداء أسرى بدر لمن يعلّم صبيان المسلمين القراءة والكتابة معروفة ومشهورة . ويؤكد المؤرخون أنه لما نزل الوحي على الرسول في مكة كان في قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب ، سموا منهم من المسلمين عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعثمان بن عفان ، وأبا عبيدة بن الجراح وطلحة « 1 » .
كما تواترت الأخبار عن كتابة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح للرسول وهو في مكة ، وأنه كان يكتب للنبي ، وكان فيما يملي عزيز حكيم ، فيكتب عبد اللّه غفور رحيم ، فيغيره . فرجع عن الإسلام ، ولحق بالمشركين ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي ، أو لبني عبد الدار ، فأخذوهم فعذبوا « 2 » .
والدليل على كتابة اللّه الوحي للنبي بمكة هو نزول الآية :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
« 3 » . وهي آية مكية ضمن سورة الأنعام ، فيكون عبد اللّه قد كتب للنبي عندما كان بمكة وقبل الهجرة ، ومن هذه الواقعة نستدل على كتابة القرآن وتدوينه قبل الهجرة إلى المدينة ، ويحتمل أن يكون هناك كتّاب آخرون للوحي قبل الهجرة عدا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، ولا نستبعد الصحابة المؤمنين الذين أتينا على ذكرهم . والدليل الآخر الذي نسوقه في هذا الصدد هو أن أبي بن كعب هو أول من كتب له الوحي بالمدينة . وواقعة عبد الله بن سعد سابقة لكتابة أبي فيكون هناك كتّاب آخرون للوحي بمكة .
أما قول « بلاشير » بأن تدوين القرآن بعد الهجرة قد شابه العديد من الأخطاء ،
هامش
( 1 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 457 .
( 2 ) الطبري ، تفسير الطبري ، الجزء السابع ، ص 181 .
( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 93 .