تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
في مصحف واحد ، وثبت ثناؤه عليهما ، واسترحامه لهما ، والدفاع عنهما ضد من اتهمهما بحرق القرآن ، ولو كان في ذلك الجمع زيادة أو نقصان لأشار إليها ، وندد بها ، ولتفاداها عندما أصبح خليفة للمسلمين ولما أشاد بهما على عملهما ذاك . أما ما ذهب إليه « بلاشير » من تحريف القرآن وإلغاء بعض آياته التي تمجد عليّا وشيعته في عهد عبد الملك بن مروان بإشارة من واليه الحجاج بن يوسف ، فهو قول مردود من أساسه ، لأن التاريخ الذي تتبع الحجاج وولايته تتبعا دقيقا ، وأضاف ونسب إليه العديد من الأقوال والأفعال غير الصحيحة ، لم يدون عليه أنه كتب ستة مصاحف جديدة وزاد فيها وأنقص طبقا للأهواء السياسية ثم عمد إلى الصحف المتقدمة فأعدمها . وكل ما رواه لنا التاريخ أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان رأى اتساع رقعة الإسلام ، واختلاط العرب بالعجم ، وتفشي اللحن ، وبدأ اللبس والإشكال في قراءة القرآن يلحّ بالناس ، حتى ليشق على الغالبية منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة . هنالك أمر الحجاج هذا الأمر الخطير ، فندب الحجاج نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن عمر العدواني ، فأعجما المصحف . ونقطا جميع حروفه المتشابهة ، والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث حتى شاع ذلك بين الناس وحتى زال الإشكال واللبس عن المصحف الشريف « 1 » . وأخيرا فإن ما أورده « بلاشير » من أن الرسول وأصحابه يميلون إلى ترك الأمور على ما هي عليه ، لأن العرب في جملتهم لا يفكرون إلا في الحاضر ، ولا يهمهم المستقبل ، وهذا الميل يقف وراء عزوف المسلمين عن جمع القرآن في عهده . . . إلخ ، فهو كلام لا يستند هو الآخر إلى الدليل العلمي ولا إلى المنطق العقلي . وآية ذلك أن العرب يهتمون بالمستقبل ولا يركزون على الحاضر فقط ، فهم أمة حضارية ، استطاعت نقل الحضارة الإنسانية إلى المجتمع الحديث ، وأضافت إليها وأبدعت في سائر أنواع العلوم والفنون شأنها في ذلك شأن بقية الأمم الأخرى . ناهيك من أن الرسول كان يحث أصحابه على حفظ القرآن ، وكتابته وتدوينه خوفا عليه من الضياع بعده . بل إنه عيّن له كتّابا رسميين لكتابته منذ كان بمكة قبل الهجرة ، ثم إن الصحابة كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم . وإن الرسول كان حريصا على كتابة القرآن عندما نهى
هامش
( 1 ) جورجي زيدان ، تاريخ التمدن الإسلامي ، الجزء الثالث ص 61 .