أصحابه أول الأمر عن كتابة الحديث حتى لا يختلط به ، فقد روي عنه أنه قال : « لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عني ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » « 1 » .
ومما يناقض قول « بلاشير » ما يرويه المؤرخون أن الرسول كان قد وزّع الأعمال الكتابية بين كتابه ، فكان علي وعثمان يكتبان الوحي ، وإذا غابا قام بالمهمة ذاتها أبي بن كعب وزيد بن ثابت . وإن خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية يكتبان بين يديه في حوائجه ، وإن المغيرة بن شعبة والحصين بن نمر كانا يكتبان ما بين الناس ، وإن عبد اللّه بن الأرقم والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء . وغير هؤلاء كثير كانوا يكتبون الوحي والقضايا ، والأمور العامة للمسلمين . فكيف يدعي بلاشير أن العرب لا يهمهم المستقبل ولا يعنيهم إلا الحاضر ، ومن هنا كان عزوفهم عن تدوين القرآن ؟
أما ما ذهب إليه « كازانوفا » من قيام الصحابة بإدخال تغييرات على القرآن بعد وفاة الرسول ، ليفصلوا ما يمكن لهم فصله بين بعثة الرسول وقيام الساعة اللتين يرى ارتباطهما مباشرا . ثم شكه في الآيتين الخاصتين بموت الرسول ، واحتمال موته حال حياته شأنه شأن بقية البشر الآخرين من أنهما من تأليف أبي بكر . فإن هذا القول عار من الدليل العلمي الصحيح هو الآخر .
وبيان ذلك أن الرسول لو كان يعتقد أن الساعة ستقوم في زمانه وقبل وفاته لما تجشم الصعاب لبناء دولة عظيمة كانت لها مكانتها في العالم ، ولما أعد تلك التشريعات التي تنظم الأمور الدنيوية للمسلمين ، ولما حث أصحابه وأمته على العمل والعبادة ، ولما تنبأ لهم بالفتح المبين الذي سيحرزونه على الأمم المجاورة لهم ، ولما حثهم على العمل في دنياهم كأنهم سيعيشون أبدا .
يضاف إلى ذلك أن « بلاشير » نفسه رفض رأي كازانوفا في ما يتعلق باعتقاد الرسول بقيام الساعة في حال حياته ، لعدم اعتماده على أدلة علمية وقوية سائغة من جهة ، ولأن الرسول لما استقر بالمدينة أصبح يدعو إلى العبادات والمعاملات ، وتنظيم العلاقات التي يجب أن تسود بين المسلمين وغيرهم من جهة أخرى . كما أن انتشار
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه .