باختلاف القراء وعزم عليه تلافي هذا الأمر الخطير وهو لا يزال في مهده . فبادر عثمان إلى القضاء على هذه الفتنة الثقافية في مهدها . وألّف لجنة رباعية برئاسة زيد بن ثابت وعضوية كل من عبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام لجمع القرآن ونسخه في مصحف واحد . فبادرت اللجنة إلى القيام بمهامها . فاستعانت بالموجود منه ، وجمعت ما كان في صدور الصحابة ، وقابلته بمصحف أبي بكر المحفوظ لدى حفصة زوج النبي . وكانوا يستعينون بالصحابة ، وأهم ما سلكوه في هذا الصدد أن اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات كانوا يرسمونه بصورة واحدة ، أما الذي تختلف فيه وجوه القراءات فإنهم يكتبونه برسم يوافق بعض الوجوه في مصحف ، ثم يكتبونه برسم آخر يوافق بعض الوجوه الأخرى في مصحف آخر . وكانوا يتحاشون أن يكتبوه في مصحف واحد خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة وليس كذلك . بل هما قراءتان نزل اللفظ في إحداهما بوجه واحد ، وفي الثانية بوجه آخر من غير تكرار في واحدة منهما « 1 » .
وبعد أن أنهت اللجنة مهمتها ، ونسخت عدة مصاحف بغية نشرها في الأقطار الإسلامية لتوحيد قراءة القرآن ، أمر عثمان بحرق ما عداها من المصاحف لقطع دابر الخلاف إلى الأبد . وقد امتاز مصحف عثمان باقتصاره على ما ثبت من التواتر أنه قرآن ونبذ ما عدا ذلك . وترتيب سوره على الوجه المعروف لدينا الآن ، وكتب بطريقة تجمع بين وجوه القراءات المختلفة والأحرف التي نزل عليها القرآن ، وجرد ما كان ليس قرآنا كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة شرحا لمعنى أو بيانا لناسخ أو منسوخ أو نحو ذلك « 2 » .
ونحن قد عرضنا عليك تفصيلا ، كيفية جمع القرآن سواء ما كان محفوظا في الصدور أو ما كتبه كتّاب الوحي وقيام الرسول بجمع هذا كله وعرضه على المسلمين قبل وفاته . ثم قيام أبي بكر الصديق بجمع القرآن نظرا لموت العديد من القراء في معارج الجهاد الإسلامي ، ثم قيام عثمان بتوحيد القرآن في مصحف واحد للقضاء على الاختلاف الذي حدث في قراءته طبقا للأحرف السبعة التي نزل بها . ونلاحظ أن المسلمين قد سلكوا المناهج العلمية الصارمة في جمع القرآن ، وتحقيقه ، وتمحيصه
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 258 وما بعدها .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 261 .