تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وربما لم يدونوه جميعا لأنهم لم يكونوا دوما حاضرين ، فكانوا يذهبون إلى الغزوات ، ويختلفون إلى الأسواق طلبا للعيش ، فيتنزل القرآن آنذاك فلا يعلمون به ولا يدونونه وهكذا أتى جمعهم للقرآن بدون ترتيب موضوعي أو زمني . ولكن المسلمين استفادوا من هذا التدوين الجزئي في عهد الخلفاء الراشدين . عندما جمعوا القرآن الذي كان في صدور الصحابة وصحفهم ووثائقهم . وهكذا نصل إلى نتيجة علمية حول جمع القرآن في عهد الرسول مفادها أن الجمع في هذه الفترة منصب على الحفظ والاستظهار أكثر من اعتماده على الكتابة والتسجيل ، ومع ذلك فقد كتب الصحابة القرآن عن طريق كتّاب الوحي ، ولكنها كانت كتابة مبعثرة ومتفرقة على أدوات الكتابة البدائية المتوافرة في ذلك الأوان ، ولم تكن مرتبة ترتيبا موضوعيا أو تاريخيا . وعندما لحق الرسول بالرفيق الأعلى ، وتولى أبو بكر مسؤولية الدولة الإسلامية الناشئة ، انقض كثير من العرب عليه ، وارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة وكانت فتنة لو لم يتقها أبو بكر بالحزم والعزم لقضت على الإسلام في مهده . فجهز الجيوش ، ودفع بهم إلى محاربة المرتدين ، وكانت حربا ضروسا لقي فيها المئات من المسلمين حتفهم ، وقد قدّر عدد القراء المقتولين يوم اليمامة بسبعمائة شخص « 1 » وربما قلّ هذا العدد كثيرا إلّا إن نسبة كبيرة من القراء قد قتلوا ، وخاف المسلمون من ضياع القرآن الذي كان محفوظا في صدور هؤلاء القراء . ويروي المؤرخون الإسلاميون أن عمر بن الخطاب أول من أشار على أبي بكر بجمع القرآن في مصحف واحد ، خشية ضياعه بعد أن استحرّ القتل في القراء يوم اليمامة . وقد عارض أبو بكر هذه الفكرة ، خوفا من البدعة لأن الرسول لم يأمر بذلك . وما زال عمر يراجعه حتى هداه اللّه إلى هذه الفكرة الحضارية الرائعة ، وكلف زيد بن ثابت بهذه المهمة العسيرة حالة كونه شابا عاقلا غير متهم ، وكان من كتّاب الوحي زمن الرسول ، وشعر زيد بثقل هذه المسؤولية حتى شبهها بقوله : « لو كلّفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن » « 2 » .
هامش
( 1 ) أ - اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، المجلد الثاني ، دار بيروت ، 1980 م ، ص 135 . ب - القرطبي ، المرجع السابق ، ص 50 . ( 2 ) أ - القرطبي ، المرجع السابق ، ص 50 . ب - القرطبي ، الجامع لاحكام القرآن ، الجزء الأول ، ص 20 .