هذه الأحاديث وأمثالها تدفع المسلمين إلى حفظ القرآن وتدارسه وتلاوته في آناء الليل وأطراف النهار ، فهم يصلون به ، ويتلونه في مآتمهم ، ومجامعهم وحفلاتهم .
وبذلك ترسّخ في صدورهم . بل كانوا يتسابقون على حفظه وتلاوته . وهكذا أصبح القراء هم أول من حفظ القرآن وجمعه من الضياع وأنقذه من النسيان .
وبلغ اهتمام المسلمين بالقرآن أن استخدم في أمورهم الاجتماعية حتى إن المرأة تتمنى أن يكون صداقها بعض آيات القرآن الكريم يعلمها لها زوجها . وثبت أن النبي قد زوج أحد الصحابة بآيات من القرآن عندما لم يجد لديه مهرا لزوجته .
وأجمع المؤرخون والمفسرون على أن الرسول وإن كان يحث دوما أصحابه على حفظ القرآن وتعلمه وتعليمه إلّا أنه لم يشر صراحة إلى وجوب كتابته . والسبب في ذلك أن أدوات الكتابة كانت شبه معدومة ، ولم تكن ميسورة لهم في ذلك الزمان .
ومع ذلك فقد قام العديد منهم بنقش القرآن وكتابته في الرقاع والأكتاف وجريد النخيل . ثم إن الرسول بعد أن توالى نزول القرآن بمكة والمدينة اتخذ كتّابا للوحي ، وأمرهم بكتابته زيادة في الحفظ والتوثيق . وكان هؤلاء الكتّاب من خيرة الصحابة ، ومن المشهورين بالتقوى والصلاح . وهكذا جمع القرآن في عهد الرسول أولا في صدور المسلمين وثانيا في الأدوات المستخدمة في الكتابة كالعسب ، واللّخاف ، والرقاع ، وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع . ووضعت هذه المواد جميعها باعتبارها وثائق تحريرية للقرآن في بيت النبي وبقيت هنالك حتى لحق بالرفيق الأعلى .
أمر الرسول أصحابه بكتابة القرآن طبقا للترتيب المعروف لدينا ، ولم يجمع طبقا للتسلسل الزمني الذي نزلت فيه الآيات ، وهو من أهم المطاعن التي تعرض لها المستشرقون ، وكان مصدر شكهم في صحة القرآن ، ووصوله متواترا إلينا . وأشار علماء المسلمين إلى أن هذا الترتيب هو توقيفي من اللّه ، ولم يكن للرسول خيار له فيه . ويعتبر من أهم خصائص القرآن عدم ترتيبه ترتيبا موضوعيا أو تاريخيا ، لأنه مخالف لبيان العرب المقتصر على الشعر ، والمثل والخطابة ، ولأنه فن آخر من فنون القول لا يعلمونه ولا يعرفونه .
وبجانب حفظ القرآن في الصدور ، وكتابته من قبل كتّاب الوحي ، وجمعه في بيت الرسول ، فإن الصحابة كانوا يكتبون القرآن في ما تيسر لهم من القراطيس وأدوات الكتابة المتاحة ، وهم قد فعلوا ذلك دون التزامهم بترتيب السور من حيث نزولها أو تواليها . وكانوا يكتبون في صحفهم ما يعرفونه من القرآن ، وما يصل إليهم من الآيات ،
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 314
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣١٤