تولى زيد هذه المهمة العسيرة فتتبع القرآن في الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ، وأتم جمعه ، ووضع تلك الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ، ثم عند عمر حتى توفاه اللّه ، ثم عند حفصة بنت عمر إلى زمن خلافة عثمان بن عفان .
سلك زيد بن ثابت منهجا توثيقيا متفردا في جمع القرآن ، فهو قد شعر بثقل المسؤولية التي كلّف بها والأمر العظيم الذي يجب عليه إنجازه ، فتحرى الدقة والصدق والتثبت الدقيق في جمع السور القرآنية من مظانّها . فأخذ ما كان في صدور الحفاظ ، وجمع ما كان موجودا على أدوات الكتابة ، وقابلها مع بعضها أي أنه طبق منهج المقابلة والمطابقة في عمله هذا . وتحرى الصدق والأمانة في هذا الجمع . وهي صفة الباحث العلمي الحقيقي ، بل ولم يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي الرسول . أي أنه سلك ما نطلق عليه في زماننا بمنهج النقل العلمي ، وأبدع فيه لما بذله من استقصاء واستنباط في هذا الجمع ، ونقد علمي داخلي وخارجي للنصوص التي جمعها .
ويمتاز جمع القرآن في عهد أبي بكر بكونه مكتوبا كلّه ، ومرتبا ومقتصرا فيه على ما لم تنسخ تلاوته ، كما جمع على أدق وجوه البحث والتحري العلميين . وأنه قد تواتر هذا الجمع ، وأجمعت الأمة الإسلامية عليه .
وعندما توفي عمر وخلفه عثمان في أمر المسلمين ، اتسعت الفتوحات الإسلامية في زمانه ، وتفرق المسلمون في الأقطار المفتوحة . وبعد بهم الزمان عن عهد الرسول والخلفاء الأوائل ، واستقر القراء في المراكز الإسلامية الجديدة في الشام والعراق .
وأصبح لكل صقع من الأصقاع قراء ، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة ، بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن ، أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف « 1 » .
وبلغ الشقاق منتهاه حتى كفّر المسلمون بعضهم بعضا ، وحتى امتشقوا السيوف ليدافع كل منهم عن صحة قراءته . وشعر المسلمون بهذا الخطر الذي يتهدد صحة القرآن وجمعه ، حتى بادر أحدهم وهو « حذيفة بن اليمان » إلى وضع حد لهذه المعضلة العويصة . فما إن عاد من غزاة له في أرمينيا حتى ذهب إلى الخليفة عثمان ، وأبلغه
هامش
( 1 ) محمد الزرقاني ، مناهل العرفان ، الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 255 .