المحمدية ، وليس أثرا من آثار المرض أو الهلوسة أو الجنون ، وليس تعبيرا عن اللاوعي الجماعي أو الشعور ، وليس أثرا من آثار الزهد والتصوف اللذين أخذ بهما الرسول قبل البعثة ، وليس أثرا من الآثار الخارجية والداخلية التي تأثر بها الرسول سواء أكان من العرب قبل الإسلام أو من اليهود والنصارى المقيمين بمكة والمدينة إبان البعثة النبوية . ومن هنا تنهار كلّ أقوال المستشرقين بالخصوص ، وما علينا إلّا أن نؤمن بأن الوحي هو ما يكلف اللّه به أنبياءه من آياته وكتبه لتبليغها إلى عباده مهما اختلفت صوره وتعددت ، تصديقا للآية الكريمة
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
« 1 » .
المبحث الرابع المستشرقون وجمع القرآن وترتيبه وكتابته ورسمه
يراد بمعنى « جمع » القرآن أمران : أحدهما حفظه واستظهاره في النفوس ، وثانيهما كتابته بعد جمعه من الصحابة والصحف الأخرى المكتوبة فيه من عهد الرسول إلى عهد الخليفة عثمان بن عفّان .
عندما بدأ الوحي يتنزّل على النبي أخذ يردده في صدره حتى يحفظ كل ما يوحى به إليه ، وكانت الذاكرة في ذلك الوقت هي الأساس المتين لحفظ الأشعار والأمثال والخطب المأثورة ، وكانت الرواية تنقل شفاها من جيل إلى جيل . وكانت الأذهان صافية ، والقلوب خالية ، فنمت ملكة الحفظ لدى العرب حتى أصبحت مضرب الأمثال .
كان النبي حريصا على حفظ ما ينزل عليه من القرآن ، وكان يعاني نفسيا وجسديا معاناة قوية عندما ينزل عليه القرآن باعتباره قولا ثقيلا ، مليئا حكمة وتشريعا وعقيدة ، وعبادة . وكان الرسول يستعجل حفظ ما ينزل عليه مخافة أن يضيع منه شيء ، فكان يعجّل بلسانه ويبذل الجهد في حفظه واستظهاره ، حتى أوحى اللّه إليه من أنه سوف يسهل له هذه المأمورية لقوله تعالى :
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 51 .