المتوعد إلى الرسول وبعض صحابته الذين أشاروا عليه بأخذ الفداء من أسرى بدر ، ولومه الشديد عند إعراضه عن أعمى يبتغي الهداية واتجاهه إلى أشراف قريش طمعا في استمالتهم إلى دينه الجديد وغيرها من الأمثلة التي تدل بما لا مجال للشك فيه على أن الوحي الإلهي خارج عن الذات المحمدية وليس عاكسا لها .
أما ما ذهب إليه « رودنسون » من أن الوحي الذي ينزل على الرسول هو عبارة عن وصوله إلى إحدى درجات التصوف التي لم تصل بعد إلى رتبة الاتحاد باللّه . أي أن « رودنسون » يريد أن يقول : إن الوحي المحمدي هو عبارة عن ذلك الكشف الذي عرفت البشرية منه ألوانا كالشعراء والمتصوفين وبعض الكهان والعرافين . وهذا الكشف أو الإلهام يكون غالبا نتيجة للتفكير الطويل والتأمل الشديد ، والرياضة الروحية المجهدة ، والسهر المتواصل ، وغيرها من العوامل النابعة عن الذات البشرية الداخلية .
والرد على هذا الرأي قد أشرنا إليه عند تعرضنا لعدم مساواة الكشف والإلهام بالوحي الإلهي . لأن لكل نبوة شعورا أو إدراكا ووعيا كاملا بينما الكشف والإلهام لا يرتقيان إلى درجة النبوة والوحي ، ثم إننا لا ندري كيف وصل « رودنسون » إلى تلك النتيجة العلمية التي حاول من خلالها البرهنة على أن النبي كان صوفيا . فالصوفية لون من ألوان السلوك يجتنب فيه الذين يسلكونه الترف ويختارون البساطة في لباسهم ومعاشهم ، كما يعني هذا الاصطلاح الاجتناب الاختياري للملاذ العابرة ، والابتعاد عن الحياة الاجتماعية خصوصا الزواج ، وكبح جماح النفس وتطهيرها ، والبساطة التي ترفض كل ترف وأبهة ، وهكذا نرى أن هذه التصرفات منافية للتعاليم الإسلامية التي ترفض العزوبية ، وترفض اجتناب الملذات العادية المباحة ، وترفض الزهد والتصوف على طريقة الرهبان والقساوسة . ومن ثم فإن وصف الرسول بالمتصوف ، وأنه قد بدأ في تسلق مراتبه حتى وصل إلى درجة التأمل ولم يصل إلى درجة الاتحاد باللّه هو قول لا يسنده دليل علمي أو واقعي . ولأن هذه المراتب جميعا رتبت وصنفت بعد أن أخذت الصوفية مكانتها في المجتمع الإسلامي ، وبعد أن اختلطت بمؤثرات خارجية كالهندوسية والنصرانية والفارسية ، وبعد أن أصبحت طقوسا وشعائر اختلط فيها الحابل بالنابل ، واختلط فيها سمو الفكر والزهد بالشعوذة والتحايل .
هكذا نصل في نهاية هذا المبحث إلى خاتمة مفادها صحة الوحي الإلهي الذي ينزل على الرسول عن طريق جبريل عليه السّلام . وهذا الوحي خارج عن الذات
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 311
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣١١