تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
مردود عليه . ذلك أنه إذا قبل وات أن « الملك » وضع الكلمات في ناحية من نواحي الوجود المحمدية فما فائدة نظرية « اللاوعي المشترك » ؟ ؟ . ثم لما ذا يضع الملك هذه الكلمات في اللاوعي المحمدي أولا ثم يدعها تبرز إلى الوعي حتى يتخيل الرسول أنه يرى ملكا يحدثه بكلام لم تكن له من قبل صلة به ؟ . وإذا كان من الممكن أن تكون الكلمات من الملك ، وإذا كان من الممكن أن يضعها في اللاوعي ، فما الذي يمنع من وضعها منذ البداية ؟ . وإذا كانت الكلمات من ملك فمعنى ذلك أنها شيء جديد لم يكن يعرفه محمد ولا مجتمعه ، ولكن نظرية « اللاوعي المشترك » كما شرحها صاحبها « يونج » وكما وافقه عليها « وات » تقتضي أن تكون هذه الآراء معبرة بطريقة ما عن المجتمع ومتوافقة مع مشاعره ومصالحه ، ومصاغة بمقولاته ومبنية على مسلّماته « 1 » . أما ما ذهب إليه « جولدزيهر » وأضرابه من استمداد الرسول معارفه من مصادر داخلية وخارجية ، واتصاله بأفكار ومعارف دينية استقاها من اليهود والنصارى ، وتأثره بهذه الأفكار التي أخذ يجترها في قرارة نفسه وهو منطو في تأملاته في أثناء عزلته فإنه قول لا يسنده دليل علمي صحيح . وقد أثبتنا لك آنفا خطل الرأي القائل بتأثر النبي بالمصادر الداخلية والخارجية في دعوته ومعتقداته . أما قوله : إن الوحي المحمدي هو عبارة عن اجترار الرسول لتلك الأفكار الخارجية إبان عزلته ، وإن ما يصيب الرسول إبان فترة نزول الوحي عليه عبارة عن مسألة نفسية ترجع إلى تشبه المرء بحالة خاصة من فرط استغراقه فيها . فإن هذه الفرضية حاولت تفسير القرآن من خلال علم النفس ، وهو تفسير خاطئ لأن علم النفس لم يصل بعد إلى درجة من الدقة والتطور بحيث يفرض طريقته في البحث على الميادين الأخرى حتى يمكنه تفسير ظاهرة النبوة على ضوء التحليل النفسي الحديث . ثم إن القرآن الكريم لو كان مصدره محمدا لكان من الفخر له أن ينسبه إلى نفسه ، ويدعي لنفسه القدسية بل الألوهية إن شاء ، ولا نرى مانعا من ادعائه بذلك طالما كان الوحي الذي ينزل عليه لم يؤمن قومه بمصدره الإلهي بالرغم من اعترافهم له بالقوة والعظمة . فهؤلاء كبار القوم يذهبون إلى عمه عارضين عليه الاجتماع بابن أخيه مخيّرين إياه بين عدة أمور كالرئاسة ، والمال ، والحسب ،
هامش
( 1 ) د . جعفر شيخ الأرض ، مقال بعنوان « منهج مونتجمري وات في دراسة نبوة محمد » ، مناهج المستشرقين ، المرجع السابق ، 234 - 235 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 309 | ساسي سالم الحاج