والغنى ، والسؤدد حتى يقلع عن دعوته ، ويرفض الرسول هذه العروض جميعا ، ولا يرضى إلّا بالوحدانية التي بسببها تدين لهم العرب ويحكمون بها العجم ، كل ذلك يؤكد عدم بشرية القرآن وحقيقة الوحي الإلهي الذي يتنزل عليه من لدن عزيز قدير .
وهو في هذا الشأن تكون هذه الظاهرة لديه متماثلة عند جميع الأنبياء الآخرين طالما كان المصدر واحدا والغاية واحدة . ومن هنا كان حرص القرآن على تسمية ما نزل على قلب محمد وحيا ، ليشابه مدلول الوحي بين جميع النبيين تشابه اللفظ الدال عليه عندما يقول
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 1 » .
إننا لو استقرأنا التاريخ جيدا لوجدنا النبي قبل البعثة صادقا ، أمينا ، عاقلا ، هادئا ، رزينا ، نائيا عن مواطن السوء والريبة ، حكيما في تصرفاته بدليل قصة وضع الحجر الأسود في مكانه بمشورة وتدبير منه حينما جنّب قومه الفتنة . ولكنه بعد أن يصل إلى الأربعين ، وبعد أن يخط الشيب رأسه ينفتح على عوالم وآفاق جديدة بعيدة الغور ، تحدث في البشرية هذا الانقلاب الكبير في جميع مناحي الحياة ، فإن الأمر هنا يتعدى العوامل النفسية ، والمؤثرات الداخلية والخارجية ، ويتصل بأمور لا قدرة للرسول عليها من تلقاء نفسه ، ولكنها أمور قدرها اللّه وأخرجها لعباده عن طريق نبيه ، ومن هنا نرى ذلك البون الشاسع بين حياة النبي قبل البعثة وحياته بعدها . وكان الرسول بعد البعثة واعيا لذلك الفرق الشاسع بين ذاته المأمورة وذات اللّه الآمرة ، وكان يفرق بوضوح بين الوحي الذي يتنزل عليه وبين أحاديث الخاصة التي كان يعبر عنها بإلهام من اللّه . ولهذا نهى في أول الأمر عن تدوين الأحاديث حتى لا تختلط بالقرآن الكريم .
ومع أن أقوال النبي هي أحاديث تلقى من الوحي مضمونها إلا أنها مصوغة بأسلوبه ، ومبينة بلفظه ، فقد حرص كل الحرص على ألّا تختلط مع القرآن وهذا من أعظم البراهين على صدق رسالته وحقيقة الوحي الإلهي الذي يتنزل عليه . ثم إن من أعظم الأدلة التي تبين أن الوحي الإلهي خارج عن الذات المحمدية هو مخالفة القرآن له في العديد من المواطن ، ومعاتبة القرآن له عتابا خفيفا أو شديدا على بعض تصرفاته . أو إعلامه في العديد من الآيات عن عفوه عنه وغفرانه ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ولومه الشديد له من عفوه عن القاعدين عن القتال في غزوة تبوك ، وعتابه الشديد المنذر
هامش
( 1 ) سورة النجم ، الآيات : 1 - 4 .