تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
هنا بطلان تفسيرات « وات » بالخصوص ، خاصة إذا علمنا أن الحقائق الدينية والأمور الغيبية التي تخبر عنها ظاهرة الوحي لا تخضع للخيال الخلاق ، ولا إلى اللا شعور الجماعي أو الفردي التي تحاول اكتشاف المجهول عن طريق الفراسة ، والحدس الباطني . ولأنها لا تخضع أيضا إلى مقاييس الحس الظاهري الذي اعتاده الناس ، لأن ظاهرة الوحي عبارة عن انسلاخ الذات البشرية للموحى إليه واتصاله بالذات الروحانية والتي تخضع لتصور حوار علوي بين ذاتين : ذات متكلمة آمرة معطية ، وذات مخاطبة مأمورة متلقية . أما ما ذهب إليه « وات » في قوله : إن كلمات الوحي كانت لها صلة بمحمد قبل أن يصير واعيا بها ، وإن للرسول شخصيتين إحداهما واعية شاعرة ، والأخرى لا واعية ولا شاعرة . أي أن لمحمد ازدواج الشعور واللا شعور ، فإن السرد التاريخي لنزول الوحي ، وطريقة تلقي الرسول له ، وإبطائه عليه ، ومعاناته في تلقيه ما ينفي هذا الازدواج الموصوف به . بل إن العرب أنفسهم قد تملكتهم الحيرة في تفسير هذه الظاهرة ، فأحيانا يصفونه بأضغاث الأحلام ، ومرة بقول شاعر مفتر ، ومرة أخرى بالجنون والهلوسة والمرض . ولكن الثابت تاريخيا أن الرسول منذ اللحظة الأولى التي نزل عليه القرآن فيها كان واعيا تماما بما يوحى به إليه . وكان يبلغ رسالة ربه وتعليماته بصورة دقيقة ، وكان يحرص على ألّا يضيع منه حرف مما ينزل عليه . وكان يجهد نفسه في حفظ ما يوحى به إليه حتى أمره اللّه بالتريث . وكان يأتيه الوحي في كل زمان وفي كل مكان وهو في كامل وعيه ويقظته ، فكان القرآن ينزل على قلب النبي في الليل الدامس والنهار الأضحيان ، وفي البرد القارس أو لظى الهجير ، وفي استجمام الحضر أو في أثناء السفر ، وفي هدأة السوق أو وطيس الحرب ، وحتى في الإسراء إلى المسجد الأقصى ، والعروج إلى السماوات العلا « 1 » . وفي أثناء ذلك كله كان وعي النبي كاملا ، وكان نقله لما يوحى به إليه صحيحا كاملا متقنا . وأخيرا فإن ما ذهب إليه « وات » في قوله من أنه يمكن الجمع بين « اللاوعي المشترك » وبين الآراء الإسلامية التقليدية بأن « الملك » وضع الكلمات في ناحية من نواحي الوجود المحمدي يسمى « باللاوعي » وإنها برزت من هنا إلى وعيه فهو كلام
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، القاهرة ، دار إحياء الكتب العربية ، 1957 ، ج 1 ، ص 198 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 308 | ساسي سالم الحاج