القبول العلمي الصحيح ، ولا يمكن الاستناد إليه في نفس نبوة الرسول العربي ليجعل منه « جريم » وأمثاله مصلحا اجتماعيا يدعو إلى الاشتراكية فحسب .
وإذا ما فحصنا ما ذهب إليه « مونتجمري وات » من أن الرسول شأنه شأن بعض عظماء الرجال المتمتعين بذلك « الخيال الخلّاق » وأن مصدر الوحي المحمدي هو هذا « الخيال الخلّاق » و « اللاوعي الجماعي » ، فإننا نجد هذه التعليلات خالية من الأدلة والبراهين العلمية الصحيحة . ذلك أن « الخيال الخلّاق » الذي تحدث عنه « وات » قد فسره شخصيا بأن رجال الدين يرجعونه إلى اللّه ، ومن خلال هذا التفسير يكون اللّه هو مصدر هذا الخيال الخلّاق ولا أحد سواه خاصة إذا كانت هذه الأفكار الخلاقة أعلى من الإنسان ذاته وأسمى من عتبة الشعور . ثم إن مسألة « اللاوعي الجماعي » الذي عزا إليه « وات » ظاهرة الوحي المحمدي هو من الأمور المعقدة التي تستحق منّا بيانا شافيا لدحضها .
ذلك أن « اللا شعور » أو « اللاوعي المشترك أو الجماعي » ينتمي إلى ما نطلق عليه اسم « الكشف » أو « الإلهام » أو « الحدس الباطني » أو « الشعور الداخلي » . فهذه الأمور مهما تباينت تسمياتها غالبا ما تكون ثمرة من ثمار الكدّ والجهد أو أثرا من آثار الرياضة الروحية ، أو نتيجة للتفكير الطويل ، فلا تنشئ في النفس يقينا كاملا ولا شبه كامل ، بل يظل أمرا شخصيا ذاتيا لا يتلقى الحقيقة من مصدر أعلى وأسمى « 1 » . بل إن كشف العارفين كإلهام الواصفين وجدان تعرفه النفس معرفة دون اليقين ، وتنساق إليه من غير شعور بمصدره الحقيقي ، فيدخل فيه ذوق المتذوقين ، ووجد المتواجدين ، بل تدخل فيه أسطورة آلهة الشعر عند اليونان وأسطورة شياطين الشعر عند العرب الجاهليين « 2 » .
ويذهب مالك بن نبي في هذا الصدد إلى القول : إن الكشف كالإلهام من ألفاظ علم النفس المحدثة التي ما تبرح حتى عند القائلين بها موغلة في الإبهام ، لاحتلالها حاشية « اللا شعور » وهي حاشية - كما يوحي اسمها - أبعد ما تكون عن حالات الوحي والشعور : فإذا قيل في إنسان : إنه من أولي الكشف والإلهام لم يسم به ذلك إلى درجة النبوة والوحي ، لأن في كل وحي وعيا ، وفي كل نبوة شعورا بمعناها وإدراكا لمغزاها ، وإنما يرمى « باللاوعي » من فقد الوعي ، ويوصم « باللاشعور » من حرم الشعور « 3 » . ومن
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 26 .
( 2 ) المرجع السابق .
( 3 ) بتصرف كبير . .MALEK BENNABI , Le phenomene Coranique , Edition A . E . I . pp 84 - 89 .