وتصرفاته . وإن معاصريه الذين أجهدوا أنفسهم في بيان مساوئه لم يصفوه بالمرض والوسوسة والصرع بالرغم من وصفهم له بالسحر والكهانة واستقائه معلوماته عن آخرين .
لقد وصف النبي شخصيا ظاهرة الوحي المنزل عليه وصفا دقيقا حينما شبهه أحيانا مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده عليه فينفصم عنه وقد وعى ما قال . وأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلمه فيعي ما يقول ، وفي كلتا الصورتين كان النبي واعيا وعيا كاملا بما يوحى إليه . وقد كرر ذلك مرات عديدة ، فأثبت لنفسه الوعي الكامل والإدراك السوي لحالته قبل الوحي وحالته بعد الوحي ، وحالته في أثناء الوحي . وهذا التأكيد ينفي عن الرسول شبه الهلوسة ، والمرض النفسي ، والصرع الذي ينتاب من يصابون به ، وعن طريق وعي الرسول الكامل لما يوحى به لم يخلط مرة واحدة بين شخصيته الإنسانية المأمورة المتلقية وشخصية الوحي الآمرة المتعالية « 1 » .
أما ما ذهب إليه « هوبرت جريم » وأمثاله من أن النبي لم يكن في بداية أمره يبشر بدين جديد ، ولكنه تأثر بما يعانيه مجتمعه من فوارق طبقية ، فنشر دعوته الإصلاحية ، وفرض الزكاة لإعادة تقسيم الثروة بين أفراد مجتمعه . فهو تفسير مادي مبتسر ومتعسف أراد به صاحبه تطبيق النظريات الماركسية والمادية الحديثة على نشأة الديانة الإسلامية .
فالمجتمع العربي وإن كان يشوبه التمييز الطبقي بين الأغنياء والفقراء بين الأحرار والعبيد ، إلّا أن المعايير المادية الحديثة التي أفرزتها تطورات الثورة الصناعية والأوروبية ، وما نشأ عنها من صراع الطبقات الذي تطور عبر العصور والأجيال لا يمكن أن يقاس بما كان عليه المجتمع العربي البسيط في ذلك الزمان . ثم إن الإسلام لم يأت فقط للإصلاح الاجتماعي ، ولكنه جاء نظاما متكاملا شاملا لمناحي الحياة كلها دينا ودولة . فهو لم يقتصر على إلغاء الطبقات ، وتحرير العبيد ، وأعاد توزيع الثروة بين أفراد المجتمع . ولكنه نظّم العقيدة ، فدعا إلى التوحيد ، وأصرّ على إزالة عبادة الأصنام ، وإعادة الوحدة إلى أبناء العروبة ، ودفع بهم خارج جزيرتهم لنشر تعاليمه التي تنادي بالحرية والإخاء والمساواة وأنشأ نظاما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا متكاملا .
وبالتالي فإن تفسير ظاهرة الوحي ونشأة الدين الإسلامي تفسيرا ماديا صرفا لا يلاقي
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، دار العلم للملايين ، طبعة 16 . 1985 م ، ص 28 .