تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
هذا الوحي إلّا أثرا من نوبات الصرع . والسبب في عدم إيرادنا لهذه الآراء بالتفصيل ونسبتها إلى أصحابها ، أنها قد قيلت في زمن كان المستشرقون يحاولون نقض الإسلام ومعتقداته بإيراد شبهات لا أساس لها من العلم والموضوعية ، وأنهم كانوا متحاملين أكثر من كونهم متعقلين . وأن الكتّاب الغربيين أنفسهم قد ردّوا على هذه الشبهات ، ونقضوها من أساسها ، وقد ذكر مونتجمري وات ، ورودنسون طبقا لمصدريهما اللذين أشرنا إليهما خطل هذا الرأي وسخفه ، وبيّنا بما لا يدع مجالا للشك فيه أن الحالة التي تعتري الرسول في أثناء تلقيه الوحي تختلف عن المصابين به فعلا ، وآية ذلك أن من يصاب حقيقة بالصرع لا يذكر إطلاقا ما مرّ به إبانها . بل إنه ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسيانا تاما ، ولا يذكر شيئا ممّا صنع أو حلّ به خلالها ، ذلك أن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطل . وهذه الأعراض التي تصيب المرضى من الصرع لا تنطبق وما يعتري الرسول من حالات نفسية وفسيولوجية في أثناء نزول الوحي عليه ، لأنه كان يذكر بدقة بالغة ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه ، كما أن نزول الوحي لم يكن مقترنا دوما بالغيبوبة الجسمية مع تنبّه الإدراك الروحي غاية التنبّه ، بل إنه كثيرا ما ينزل الوحي والنبي في تمام يقظته العادية « 1 » . وملخص القول في هذه النقطة إن الصرع يعطل الإدراك الإنساني ، وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس . أما الوحي فهو سمو روحي اختص اللّه به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغوها للناس . وقد يصل العلم إلى إدراك بعض هذه الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون ، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم ، ومع ذلك فتبقى حقائق يقينية يهتدي بها المؤمنون الصادقون « 2 » . يجب استبعاد صفات الهوس والصرع والمرض النفسي التي اتهم بها المستشرقون النبي في أثناء نزول الوحي عليه وخاصة جوستاف لوبون . ذلك أن التاريخ قد أنبأنا أن الرسول لم يكن يتصف بهذه الصفات قبل البعثة ، بل إنه يصفه لنا بالعاقل والصادق الأمين . وإنه لم يكن قبل البعثة من أولئك الذين تعتريهم الوساوس ، والسلوك الشاذ ، والتصرف الغريب ، بل كان بعيدا عن سلوك الكهان وسجعهم ، وتمتمتهم ، وتصرفاتهم الغريبة . ولم يكن شاعرا يعتريه شيطان الشعر فيؤثر في قوله
هامش
( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) محمد حسين هيكل ، حياة محمد ، الطبعة الخامسة 1952 م ، ص 41 .