تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وتأثر بهذه الأفكار تأثرا وصل إلى أعماق نفسه فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه ، كما صار يعتبر هذه التعاليم واجبا إليها ، فأصبح - بإخلاص - على يقين بأنه أداة لهذا الوحي « 1 » . ويذهب « جولدزيهر » في تفسير الوحي الإلهي مذهب زملائه المستشرقين لأنه يرى أنه في خلال النصف الأول من حياة النبي اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكارا أخذ يجترها في قرارة نفسه ، وهو منطو في تأملاته أثناء عزلته . ولميل إدراكه وشعوره للتأملات المجردة والتي يلمح فيها أثر حالته المرضية ، نراه ينساق ضد العقلية الدينية والأخلاقية لقومه الأقربين والأبعدين « 2 » . وجولدزيهر لم يتّبع في دراساته المراحل « الباثولوجية » التي اعتقد أن شعور الرسول بالوحي قد نشأ فيها وثبت في نفسه ، ولكنه اقتبس كلمة لها معنى من مؤلف شهير يدعى « هارناك » عندما تحدث عن الأمراض التي تصيب الرجال الذين فوق البشر دون سواهم ، والذين يستقون منها حياة جديدة كانت قبل ذلك مجهولة ، كما يتخذون منها قوة تهدم جميع العقبات ، ومن ذلك حمية النبي أو الحواري « 3 » . وجولدزيهر بإيراده الاقتباس الآنف بيانه فإنه يشير إلى عدم إمكان الوحي ، واستحالة حدوثه ، وإن ما يقوله الأنبياء عن الوحي هو عبارة عن مسألة نفسية ترجع إلى تشبع المرء بحالة خاصة من فرط استغراقه فيها ، ولكنه لم يوضح لنا تلك الأمراض التي تصيب الرجال فيصبحون عظماء ، ويتخذون منها قوة تهدم جميع العقبات ، لأنه من المعروف عقلا وعادة أن الأمراض مهما كانت طبيعتها نفسية أو جسدية ، تؤدي إلى هبوط القوى العقلية والجسدية ، ولا يحقق المصاب بها إلّا الضعف والهوان ثم الاضمحلال العقلي والجسدي . ونحن لم نشأ إيراد آراء بعض المستشرقين المتعصبين خاصة القدماء منهم الذين حاولوا تفسير الوحي بإصابة الرسول بالصرع وأن أعراضه كانت تبدو عليه ، إذ كان يغيب عن صوابه ، ويسيل منه العرق ، وتعتريه التشنجات ، وتخرج من فمه الرغوة ، حتى إذا أفاق من نوبته تلا على المؤمنين ما يقول إنه وحي اللّه إليه ، في حين لم يكن
هامش
( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق ، ص 6 . ( 2 ) جولدزيهر ، المصدر السابق ، ص 7 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 6 .