طفلا ، ومراهقا ورجلا ناضجا . وأنه بدأ يمارس حياة « الزهد » التي - هي إحدى درجات الصوفية - منذ زمن مبكر من حياته . ومن خلال حياته الزاهدة الرافضة لكل ألوان الملذات والآخذة بأسباب التعبد والصلاة الطويلة والتبتل فأخذ يتراءى له « الكشف » المصحوب بالأصوات المسموعة . وهذه المظاهر الصوتية والمرئية نجدها أيضا لدى المصابين بالأمراض العقلية كالهستيريا وانفصام الشخصية . إلّا أن كبار الصوفيين يتعرضون لهذه المظاهر غير العادية ويعتادونها . ولكن هل المظاهر الخارجية التي يطبقها الزهاد على أنفسهم تؤدي إلى الإصابة بهذه الأمراض العقلية والنفسية ؟ .
ويردّ « رودنسون » على هذا السؤال قائلا : إنه يترك للمتخصصين في علم النفس الإجابة عنه « 1 » .
ويستطرد هذا المستشرق قائلا : إن المتصوفة المسيحيين والمسلمين تخطوا هذه المرحلة إلى أعلى منها وهي الاتحاد مع اللّه والحلول فيه . وهو يرى أن محمدا قد مر بمرحلة الزهد ، وأخذ في التأمل والعبادة بغار حراء ، ولكنه لم يشعر أبدا أنه وصل إلى مرحلة الاتحاد باللّه . ومن هنا فإن تلقّيه الوحي الذي يتمثل له صوتا وصورة هو مرحلة من مراحل التصوّف التي وصل إليها . ولكن لا يمكن تفسير ذلك بتدخل من الشياطين أو الأرواح الشريرة أو نتيجة الخيال الطبيعي أو المرض النفسي .
ويصل رودنسون إلى نتيجة مفادها أن الوحي الذي ينزل على الرسول لا يمكن تفسيره بالأمراض النفسية التي قد تنتاب الإنسان ، ولا بتدخل الشياطين والأرواح الشريرة التي كان العرب يعزون إليها الكهانة وسجع الكهان ، ولكن ما يراه ويسمعه الرسول هو نتيجة وصوله إلى إحدى درجات التصوف التي لم تصل إلى الاتحاد باللّه .
ولكنها تقع بين مرحلة الزهد والتأمل والتعبد وبين مرحلة الاتحاد مع اللّه والاندماج فيه .
وعندما عالج « جولدزيهر » هذا الموضوع في ثنايا بحوثه الإسلامية ، فإنه أرجع القرآن الكريم إلى مصادر داخلية وخارجية كما أسلفنا . وبذلك فهو ينكر الوحي الإلهي طبقا للرؤية الإسلامية . ويرى أن تبشير النبي العربي ليس إلّا مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية ، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها .
هامش
( 1 )RODINSON ( M . ) Mohamet , op . cit , p . 106 .