تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وتحدث « مكسيم رودنسون » بعمق وتفصيل عن الوحي الإلهي الذي نزل على الرسول ، وهو ينفي منذ البداية آراء بعض الكتّاب الغربيين الذين يفسرون تصرفات الرسول عند نزول الوحي عليه بالصرع ، والهلوسة ، وانفصام الشخصية ، ويقدم آراء مقنعة عن إخلاص الرسول ، وحسن نيته ، وصدقيته . ولكنه عندما يفسر الوحي الإلهي فإنه لا يعتقد هو الآخر في النظرية الإسلامية بالخصوص ، بل إننا نراه منذ الوهلة الأولى وفي مقدمة كتابه « محمد » يحذر من هذه القضية قائلا : « ألتمس من القراء المسلمين العذر عند إنكاري لبعض الوقائع التي يعتقدون صحتها ، ذلك أن العلماء الأوروبيين طبقوا هذا المنهج على علومهم أيضا . . . . ويقول : كيف يستطيع ملحد مثلي أن يدرس مؤسس الدين الإسلامي ؟ . . . . خاصة أن الملحدين لا يؤمنون بهذه الأفكار الدينية التي يقول عنها أصحابها : إنها تأتي إليهم من العالم الآخر ، ويجيب قائلا : « يحق للملحد إنكار مثل هذه الأفكار ولكن لا يحق له عدم تقدير هذه الرسالات » « 1 » . وهو عندما يتعرض لبداية الرسالة ، وكيفية نزول الوحي على النبي ، فإنه يستعرض في مقاطع طويلة من كتابه آراء من سبقه من العلماء المسلمين في هذا المضمار . ويثبت الروايات المستقاة عن عائشة عن كيفية الوحي ، والمظاهر الخارجية التي تعتري الرسول في أثناء تلقيه الوحي ، والآيات القرآنية الأولى التي نزلت عليه ، والاضطراب الذي شمله ، وذهابه رفقة خديجة إلى ورقة بن نوفل لاستشارته حول ما اعتراه من مظاهر لم يجد لها تفسيرا مقنعا ، ثم اقتناعه بالرسالة التي كلف تبليغها من اللّه ، وتعوده الوحي شيئا فشيئا حتى أصبح لا يضطرب فؤاده ، عندما ينزل عليه ، وينتهي من هذا السرد إلى طرح سؤال مؤدّاه : هل كان محمد صادقا في ما أبلغ به ؟ . وفي إجابته عن السؤال الآنف بيانه ، فإنه يطرح جميع الأفكار الغريبة التي تصف الرسول بالمحتال ، والمخادع ، والمزور جانبا ويطرح كذلك جميع الأفكار التي تعزو الوحي إلى مرض الرسول النفسي والعصبي ، ويرد بعض أفكار المستشرقين الذين يصفون الرسالة المحمدية باعتبارها إصلاحا اجتماعيا لمجتمعه الغارق في الجهالة ، وصراع الطبقات . ولكنه يؤكد حقيقة يراها جوهرية لتفسير الوحي الإلهي ، وهي أن محمدا - حسب قوله - كانت له ميول زهدية أملتها ظروف حياته الشخصية عندما كان
هامش
( 1 ) رودنسون ، محمد ، المرجع السابق ، بتصرف كبير في المقدمة .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 302 | ساسي سالم الحاج