تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
مختلف عن كلام البشر ، والأحاديث النبوية هي الأخرى وحي من اللّه ولكنها مصاغة من قبل الرسول . ويعتقد وات أن مصدر الوحي المحمدي هو الخيال الخلّاق كما أسلفنا ، أو اللاوعي الجماعي
Collective unconscious
الذي هو مصدر كل وحي ديني سواء كان الإسلام أو النصرانية أو اليهودية . ويفسر وات « اللاوعي الجماعي » طبقا لتفسيرات يونج «
Jung
» حوله وهو الرأي القائل : إن ما ينبثق من اللاوعي إلى الوعي في رؤيا الأفراد المنامية وأحلام اليقظة وكذلك في الأساطير الدينية لمجتمع كامل تأتي من « اللبيدو » أو طاقة الحياة ، وهو ينبوع المناشط في كل الناس . ففي الشخص الواحد يكون « اللبيدو » في أحد أجزائه شيئا خاصا وفي الجزء الآخر شيئا مشتركا بينه وبين أفراد جماعته ثم بينه وبين الجنس البشري كله . هذا الجزء المشترك بينه وبين الآخرين هو الذي يسميه « يونج » ب « اللّاوعي المشترك » وإلى هذا اللاوعي المشترك تعزى كثير من الأساطير وكذلك المعتقدات الدينية ، ولا سيما شخصيات مثل « البطل » و « القائد » و « الطفل الإلهي » و « العذراء » التي توجد في كثير من الأديان « 1 » . وعندما طبق « وات » هذه النظرية على الوحي المحمدي اعتقد أن كلمات الوحي كانت لها صلة بمحمد قبل أن يصير واعيا بها . ثم يستنتج كذلك أنه بالإمكان الجمع بين هذه المسألة وبين الآراء الإسلامية التقليدية حتى يمكننا القول : إن الملك وضع الكلمات في ناحية من نواحي الوجود المحمدي يسمى باللاوعي وإنها برزت من هنا إلى وعيه . هكذا تتلخص أفكار « وات » في إنكاره للوحي الإلهي ، وأن مصدر القرآن هو الخيال الخلّاق الذي يتمتع به الرسول مثلما تمتعت به بقية البشر الممتازين ، كما يرجع إلى اللاوعي الجماعي طبقا لرأي « يونج » . وقد حاول التوفيق بين هذين الرأيين إلّا أنه يؤكد عدم تفسير الوحي بإصابة النبي بالهلوسة ، والصرع وغيرهما من الأمراض العصبية ، ويؤكد أنه كان صادقا ومخلصا في دعوته ، إلا أنه نفى الوحي الإلهي طبقا للنظرية الإسلامية شأنه في ذلك شأن بقية أضرابه من المستشرقين .
هامش
( 1 ) د . جعفر شيخ الأرض ، منهج وات في دراسة نبوة محمد ، مناهج المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 234 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 301 | ساسي سالم الحاج