ويقول « وات » : إن الأنبياء والمصلحين الدينيين يشتركون في هذا « الخيال الخلّاق » طالما كانوا يعبرون عن القضايا الأكثر عمقا والأكثر أساسية الناجمة عن التجارب الإنسانية ، مع الإشارة الخاصة إلى مقتضيات وظروف زمانهم وأجيالهم .
ولكن ما مصدر هذه الأفكار الخلّاقة ؟ . بعض علماء النفس يرجعها إلى « اللّاشعور » ، ورجال الدين يرجعونها إلى « اللّه » . وبعضهم الآخر يقول : إن هناك « حقيقة مؤكدة » تستمد أصولها من اللّه « 1 » ، ثم إن هذه الأفكار الخلّاقة أكبر من الإنسان ذاته ، وأسمى من عتبة الشعور .
ويستطرد مونتجمري وات قائلا : « من وجهة نظري هناك خيال خلّاق متدفق لدى محمد ، وأن معظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة وعادلة ، ولكن ليست كلّ الأفكار القرآنية صحيحة وعادلة . بل توجد على الأقل نقطة واحدة غير صحيحة ألا وهي أن « الوحي » أو الخيال الخلّاق أسمى من تصرفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرا لوقائع تاريخية مجملة » « 2 » .
ويتساءل وات قائلا : « هل كان محمد نبيا » ؟ . ويجيب قائلا : « إن خياله الخلّاق فتح آفاقا عميقة ، وأنتج أفكارا ارتبطت بالقضايا الرئيسة للوجود الإنساني ، بحيث أصبح دينه يتمتع بجاذبية كبيرة ليس في زمانه فحسب ولكن خلال القرون التي تلته . إن سائر الأفكار التي يعلن عنها ليست كلها صحيحة وعادلة ، ولكن بفضل اللّه أصبح قادرا على أن يقدم لملايين البشر دينا أفضل من الأديان السابقة قبل أن يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » « 3 » .
ويتناول مونتجمري وات مسألة الوحي الإلهي في كتاب آخر من كتب السيرة أطلق عليه اسم « محمد في مكة » ويؤكد الحقيقة التاريخية التي لا ريب فيها من أن محمدا كان يميز بين القرآن الذي كان يعتقد أنه آتيه من مصدر علوي وبين ما يصدر عن وعيه المعتاد . ولكنه عندما يتساءل عن كيفية هذا التمييز فإنه يجيب بأن الأمر ليس واضحا تماما . ونحن كمسلمين نعرف كيفية التمييز بين الكلامين ، فالقرآن هو كلام اللّه
هامش
( 1 )FREDRICH Von Hugel ; Essays and addresses , London , 1928 , p . 253 . in , Watt , op . cit , p . 2 . 9 .( 2 )WAATT ( M . ) Mohamet , op . cit , p . 210 .( 3 ) المرجع السابق ، ص 211 .