وبيان ذلك أن المفكر الفرنسي « جوستاف لوبون
Le BON
» يرى أن التصرفات التي تعتري الرسول إبان نزول الوحي عليه ما هي إلّا إصابته بالصرع الذي ينتابه في هذه اللحظات فيعتريه احتقان فغطيط فغثيان . ويرى أنه يجب اعتبار محمد من فصيلة المهووسين من الناحية العلمية كأكبر مؤسسي الديانات . ويقول في هذا الصدد : « ولا أهمية لذلك . فلم يكن ذوو المزاج البارد من المفكرين هم الذين ينشئون الديانات .
ويقودون الناس ، وإنما أولو الهوس هم الذين مثّلوا هذا الدور ، وهم الذين أقاموا الأديان ، وهدموا الدول ، وأثاروا الجموع وقادوا البشر . ولو كان العقل لا الهوس هو الذي يسود العالم ، لكان للتاريخ مجرى آخر » « 1 » .
ويذهب المستعرب الألماني « هوبرت جريم
H . Grimme
» إلى أن محمدا لم يكن في بداية أمره يبشر بدين جديد ، ولكنه اقتنع بضرورة إصلاح مجتمعه في مكة الذي يعاني من الفساد ، فوضع خطة لمساعدة الفقراء عن طريق فرض ضريبة على دخول الأغنياء . ولكنه فهم أن الحظ لا يواتيه لقبول هذا الحل من قبلهم . كما أنه لم يتخيل خطة لصراع الطبقات على طريقة القرنين التاسع عشر والعشرين ، ومن هنا فقد استخدم فكرة الحساب يوم القيامة كوسيلة للضغط على هؤلاء الأغنياء لقبول خطته الرامية إلى الإصلاح الاجتماعي في مجتمعه ففرض عليهم الزكاة لتطهير أموالهم وأنفسهم « 2 » .
أما المستشرق الإنجليزي « مونتجمري وات
M . Watt
» فإنه يؤكد صدق النبي وإخلاصه في كل ما أخبر به من مجيء الوحي إليه . كما رفض جميع الآراء الغربية التي عزت ظاهرة الوحي المحمدي إلى الصرع والهلوسة أو الجنون . ودافع دفاعا مجيدا عن الرسول ، ووصفه بالصادق الأمين أيضا . ولكنه عندما عالج مسألة نبوته - أي نبوة الرسول - فإنه أكد أن هناك بعض الأشخاص الموهوبين كالفنانين ، والشعراء والكتّاب ممن يتمتعون ب « خيال خلّاق » أخرجوا للبشرية روايات رائعة ، وشعرا بليغا ، ورسومات ومنحوتات عجيبة . وهناك العديد من المؤلفات الناجمة عن الخيال الخلّاق معروفة عالميا . ولكن هذه المؤلفات والآثار ليست خيالية لأنها تعالج أمورا حقيقية . ولكنها تستخدم رؤى وصورا للتعبير عما وراء المفاهيم الثقافية الإنسانية .
هامش
( 1 ) جوستاف لوبون ، حضارة العرب ، ترجمة زعيتر ، بيروت 1399 ه ، ص 141 وما بعدها .
( 2 )RODINSON ( M . ) Mohamet , Seuil , Paris , 1961 , pp . 102 - 103 .