الموحى إليه دويا كأنه رمز من الكلام ولا ينقضي ذلك الدوي إلّا وقد وعاه بالكامل .
وتارة يتمثل للموحى إليه رجلا فيكلمه بما أمر به فيفهم منه ما يقول . وبعد أن ينقضي ذلك كله يعود الموحى إليه إلى طبيعته البشرية ولكنه يكون قد وعى وحفظ وفهم ما أوحي إليه .
وإذا كان الوحي هو ما أشرنا إليه ، فإن إثباته من الناحية العقلية أمر عسير ، فالعقل الذي أصبح أداة المعرفة قد أنكر وسائل المعرفة الأخرى كالحس والإلهام . ولم يجعل سبيلا للمعرفة الأصلية إلّا ما يبرهن عليه العقل ويقرره . ومع ذلك فإن الاستناد إلى هذه الأداة في الأمور الدينية التي ينتج عنها بداهة الإيمان بالأمور الغيبية أمر صعب التحقيق ، إلّا أنه ليس خطأ إن لم ندرك هذه المعارف عن طريقه . لأن للمعرفة العلمية وسائل أخرى يعجز العقل عن إدراكها ، فتتولى الوسائل التي يقذفها اللّه في قلوب بعض عباده فيصلون عن طريقها إلى معرفة الحقيقة .
والوحي الإلهي يمكن تفسيره من الناحية العلمية ، إذا قارناه بمسألة « التنويم المغناطيسي » الذي أثبت العلماء من خلاله تمتع الإنسان بعقل باطني يفوق عقله المعتاد ، وأن الإنسان في حالة تنويمه مغناطيسيا يرى ويسمع ويخبر بأمور لا يمكن التكهن بها في عالم المحسوسات . وأن الإنسان بهذه الطريقة ثبت أن له روحا تستقل أحيانا عن جسمه تمام الاستقلال « 1 » . كما أن تصرفات وحركات بعض الحشرات كالنمل والنحل التي تأتي بأعمال تنظيمية عجيبة لا يمكن تفسيرها بالغريزة وحدها ، وإنما يمكن إرجاعها إلى إرادة عليا توحي إليها بذلك السلوك المنظم القويم ، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نستطيع إنكار الوحي على البشر وإقراره بالنسبة إلى الحشرات والمخلوقات الأخرى .
ذهب المستشرقون مذاهب شتى في تفسير الوحي الإلهي المنزل على النبي العربي ولكنهم أجمعوا على إنكاره ، وأتوا بتفسيرات ، وتعليلات ، وتأويلات حاولوا من خلالها تفسير التصرفات التي تنتاب الرسول إبان نزول الوحي عليه ، على أن إنكارهم للوحي قادهم بداهة إلى إنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم الذي أجمعوا أيضا على بشريته كما أسلفنا .
هامش
( 1 ) محمد عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان ، المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 66 وما بعدها .