تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح ، ثم حبّب إليه الخلاء ، فكان في غار حراء يتعبد فيه الليالي ، حتى فاجأه الحق ، فأتاه جبريل بالرسالة ، وأقرأه أول آية لسورة العلق . وبلغ الجهد بالرسول حتى عاد مرتجفا خائفا إلى زوجته ، مشفقا على نفسه ، فطمأنته زوجته ، وذهبت به إلى ورقة الذي أخبره أن الذي نزل عليه هو الناموس الذي أنزل على موسى . ويتميز الوحي بنزوله على الصادقين من عباده . حيث توجد لهم في حالة الوحي غيبة عن الحاضرين ، وإغماء وغطيط تظهر للآخرين وليست حقيقة لمن ينزل عليهم الوحي ، لأنهم في هذه الحالة مستغرقون في الملكوت الإلهي بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر العادية . ثم ينزل الوحي بعدئذ إمّا بدويّ من الكلام ، أو يتمثل لمن ينزل عليه على هيئة شخص يخاطبه بما هو مكلف به لتبليغه له . وقد سئل النبي عن الوحي ، وصفاته وحالاته ، فذكر أنه يأتيه أحيانا مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده عليه ، فينفصم عنه وقد وعى ما قال . وأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلمه فيعي ما يقول ويدركه أثناء ذلك من الشدة ما لا يعبر عنه « 1 » . وروي عن عائشة أن الرسول عندما ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه يتفصد عرقا ، لشدة وثقل ما يتلقاه عن اللّه من الأوامر ، والنواهي ، والأحكام والشرائع . ويعتقد من يراه على هذه الحالة أنه مصاب بالجنون والصرع ، ومن هنا كان اتهام قريش له بذلك ، وجاراهم المستشرقون على ذلك ، وتبعوهم في هذا التحليل . والوحي عندما ينزل على من اصطفاه اللّه من عباده مهما كانت وسيلته ، فستنسلخ نفس هذا الشخص الموحى إليه من البشرية إلى الملكية ، ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات ، في لمحة من اللمحات ، وذلك بعد أن تكمل ذاته الروحية بالفعل « 2 » . وفسّر المؤرخ ابن خلدون ظاهرة الوحي الإلهي ومراتبه تفسيرا علميا مقنعا ، يجعل من المنكرين لها في موقف ضعيف من الناحية العلمية . ومفاد ذلك أن الموحى إليهم ينسلخون في تلك اللحظات عن الذات البشرية ، ويندمجون في الذات الملكية ، ويجعل لهم سماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي أثناء ذلك الانسلاخ . فتارة يسمع
هامش
( 1 ) البخاري ، صحيح البخاري ، باب الوحي . ( 2 ) ابن خلدون ، المقدمة ، المرجع السابق ، ص 81 .