المبحث الثالث المستشرقون والوحي الإلهي
وصلنا في المبحث السابق إلى نتيجة علمية مفادها ، أن مصدر القرآن الكريم هو اللّه تعالى ، وأنه أنزله على النبي عن طريق الوحي لا عن طريق آخر سواه . ولكننا كيف نستطيع فهم ظاهرة الوحي الإلهي ؟ وما خصائصها ؟ وكيفية إثباتها عقلا وشرعا ؟ وما موقف المستشرقين من هذه الظاهرة غير العادية ؟ .
ونحن كمسلمين نعتقد الوحي الإلهي ، ونسلم به وبأساليبه ، ونؤمن كذلك بالاتصالات الروحية بالملكوت الأعلى ، واستمداد معارفنا من اللّه عن طريق ليست مألوفة لدينا . ولكننا لا نستطيع إثبات هذه الأمور باستخدام العقل والحواس لوحدهما وإنما يجب علينا التسليم بها باعتبارها مسائل اعتقادية غيبية ، ليست خاضعة لمناهج المستشرقين المتصفة بالمادية ، والتي لا تعترف بالقضايا الغيبية .
والوحي طبقا لعلماء المسلمين هو إبلاغ اللّه سبحانه وتعالى عن أمور ، وقضايا ، ومعارف لمن اختاره اللّه لذلك ، واصطفاه لتلقي رسالته ، بطرق خفية وسرية لا يعرفها البشر ، ولا يستطيعون اكتناه أسرارها ، لأنها ليست خاضعة لمعارف البشر العادية ، وليسوا معتاديها أيضا .
ويختلف الوحي طبقا للوسيلة التي يختارها اللّه لإيصاله إلى من اختاره من عبادة ، فمنه الكلام بين اللّه وأحد بني البشر كما حصل للنبي موسى عليه السلام . ومنه ما يكون إلهاما يقذفه اللّه في قلب من اصطفاه ، فيهب له العلم والمعرفة والهداية . ومنه ما يجيء عن طريق الرؤيا الصادقة ، ثم يتحقق وقوعه . ومنه ما يكون عن طريق أحد الوسائط كإرسال اللّه جبريل بالوحي إلى النبي مصداقا لقوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
« 1 » .
اتفق معظم المفسرين كابن جرير الطبري « 2 » ، وأبي عبد اللّه محمد القرطبي « 3 » ، وابن كثير « 4 » ، برواية مسندة إلى عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول اللّه من
هامش
( 1 ) سورة الشعراء ، الآية : 193 .
( 2 ) الطبري ، تفسير الطبري ، الجزء الثلاثون ، ص 161 - 162 .
( 3 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، الجزء العشرون ، ص 118 .
( 4 ) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، الجزء السابع ، ص 325 - 326 .