تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
المستشرق الألماني الكبير « تيودور نولدكه »
T . Noldeke
الذي حاول من خلال دراسته العميقة « لتاريخ القرآن » إيجاد مصادر خارجية للقرآن الكريم ، ووصل إلى نتيجة مفادها أن القصص القرآني حافل بالمؤثرات اليهودية والمسيحية التي انتقلت إلى العرب شفاها عن طريق اليهود المقيمين في المدن العربية ، وكذلك عن طريق العرب المتنصرين « 1 » . إلا أن السؤال الذي لا إجابة عنه هو : كيف تجد بعض التعاليم والقصص اليهودية والمسيحية سبيلها إلى الرسول العربي فيتأثر بها ، ويقتبسها ، ويضعها في كتابه ، بينما يهمل الأخرى ؟ . وكيف تمكن الرسول من الاطلاع على الكتب المقدسة القديمة خاصة كتاب « الأغاداه » اليهودي ، بينما أجمع المسلمون قديما وحديثا على أميته وعدم معرفته القراءة والكتابة ؟ . ويؤكد « مونتجمري وات » هذه النقطة الأخيرة عندما يقول : « إن من يدعي من علماء الغرب بعدم أمية محمد لأنه تاجر ماهر ، فلا يعقل وهو بهذه الصفة أن يجهل القراءة والكتابة طالما كان نظراؤه من التجار القرشيين يعلمون ذلك ، إلا أن تأثير الأناجيل على القرآن كما يبدو للعيان يؤكد أن محمدا لم يقرأ مطلقا الإنجيل ، بل ومن المؤكد أيضا عدم اطلاعه على أي كتاب آخر ، ولكن ربما انتقلت إليه تلك المعارف شفاها » « 2 » . إن انتقال الروايات الشفوية لا تستقيم في عملية الاقتباس المدعى بها في القرآن من قبل الكتب المقدسة القديمة ، لأن القرآن حافل بالقصص ، والمواعظ ، والشرائع والمعتقدات في غاية التفصيل ، والترتيب ، والدقة ، ولا يعقل أن يتم نقل هذه المعارف جميعا عن طريق الرواة ، لا بد من أن يتضاربوا في نقل هذه الروايات ، ويتناقضوا في إيراد العقائد والشرائع المنقولة شفويا . ومن هنا لا تستقيم نتائج من أنكر اقتباس الرسول من الكتب القديمة كتابة وإثباتها والإقرار بها شفاها . ومن هنا يحق لنا أن نقرر بكل موضوعية أن الدين الإسلامي لا يمكن أن يكون نتاجا بسيطا للمؤثرات الخارجية . وأن المصدر الأول والوحيد للقرآن هو اللّه وحده دون سواه . فإذا كان الأمر كذلك وهي قضية إيمانية لا تمس بالنسبة للمسلمين ، فما رأي المستشرقين حول الوحي الإلهي الذي نزل بموجبه القرآن الكريم باعتبار اللّه هو مصدره الوحيد ؟ . هذا ما سنقوم بدراسته في المبحث المقبل .
هامش
( 1 )SIDERSKY , op . cit , p . 1 .( 2 )WATT ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 37 .