موسى وهارون وجعلهما واحدة . وهذا خطأ فاحش يدل على عدم فهم المستشرقين لأسرار اللغة العربية واشتقاقاتها ، وبلاغتها ، ومجازها . لأن مريم أم المسيح من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده ، كما يقال للتميمي : يا أخا تميم ، وللعربي يا أخا العرب « 1 » . كما ورد في الأثر أن كعب الأحبار كان بحضرة عائشة أم المؤمنين فقال : إن مريم ليست بأخت هارون أخي موسى ، فقالت له عائشة كذبت . فقال لها : يا أم المؤمنين إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قاله فهو أصدق وأخبر ، وإلّا فإني أجد بينهما من المدة ستمائة سنة . قال : فسكتت « 2 » ونسب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالخصوص أن سبب إطلاق « يا أخت هارون على مريم » أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم . وذهب الزمخشري إلى أن بين مريم وبين موسى وعمران ما يزيد على ألف سنة فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون « 3 » . ومنها أن : الروايتين لم تكونا متطابقتين ، لأن الرواية التي نسبها « سيدرسكي » إلى الإنجيل تجعل من واقعة اشتهاء الرطب وأكله من قبل مريم ويوسف النجار وهما في طريقهما إلى مصر بعد ولادة المسيح . بينما الرواية القرآنية تنص على أن مريم حينما فاجأها المخاض إلى جذع النخلة ، تمنت الموت لخوفها من تلوث سمعتها ، فناداها من تحتها بعدم الحزن والأسف لأنها ولدت العظيم من الرجال ذا الخصال الحميدة ، فأكلت الرطب من النخلة وشربت الماء النقي العذب الزلال . وفي هذا خلاف بين الروايتين في الزمان والمكان والكيفية . وعلى هذا المنوال حاول هذا المستشرق من خلال ما أورد من قصص في كتابه إيجاد المصادر اليهودية والدينية التي استقى منها القرآن الكريم ، وهي مقابلات متعسفة ، متسمة بالتعصب والهوى متميزة بلي رقبة الحقائق التاريخية والدينية ليصل إلى غرضه المنشود وهو إيجاد مصادر خارجية للقرآن الكريم . ولعل تعصبه يشهد به عنوان كتابه الذي وصفه « بالأساطير الإسلامية » بينما لم يجحد ما يقابلها من قصص في العهدين القديم والجديد من كتب اليهود والنصارى .
لم يكن هذا المستشرق وحده الذي عزف على هذه النغمة ، فقد سبقه إلى ذلك
هامش
( 1 ) أ - القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن الكريم ، دار إحياء التراث العربي ، الجزء الحادي عشر ، ص 100 .
ب - ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، دار الأندلس ، الجزء الرابع ، ص 452 .
( 2 ) المرجعان السابقان .
( 3 ) الزمخشري ، الكشاف ، دار المعرفة / بيروت الجزء الثاني ، ص 508 .