الجاهليين . أمّا من قال بتطابق آراء « الأبيونيين » مع ما ورد في القرآن الكريم حول طبيعة المسيح البشرية ، وولادته من أمه مريم دونما اتصال بشري ، وأنه رسول إلى العالمين شأنه شأن بقية الرسل الآخرين ، فلما ذا لا نعتقد بصحة هذه الفرقة الدينية في هذه الآراء وتطابقها مع القرآن الكريم ؟ خاصة أنها جمعت بين اليهودية والمسيحية ، وربما يكون الصواب بجانبها فأتى القرآن مطابقا لأفكارها لأن مصدرها الإلهي واحد .
ويذهب « سيدرسكي » في كتابه « أصول الأساطير الإسلامية في القرآن وفي سير الأنبياء » إلى اقتباس القرآن معلوماته وأخباره عن مولد السيد المسيح من « إنجيل ماتيو » الباب العاشر والذي ورد فيه حرفيا : « في اليوم الثالث من رحلتهما عبر الصحراء المحرقة رأت مريم نخلة فقالت ليوسف « أود أن أستريح قليلا تحت ظلها » فقادها يوسف إلى النخلة وأنزلها من على مطيتها . وعندما جلست مريم رفعت رأسها إلى قمة النخلة ووجدتها مليئة بالرطب فقالت ليوسف « أرغب في تذوق رطب هذه النخلة إذا كان الأمر ممكنا » . فقال لها يوسف : « أنا مندهش من طلبك هذا ، ألا ترين ارتفاع الشجرة وأنت تحلمين بأكل رطبها ؟ إن ما ينغصني الآن هو نقصان الماء ، فليس لدينا مياه نستقي منها نحن ودوابنا » .
عندئذ كان الطفل يسوع ، يستريح - بوجهه المشرق - على ركبتي والدته فخاطب الشجرة قائلا : « انحني أيتها الشجرة وغذي أمي من رطبك » . وما إن سمعت الشجرة كلامه حتى انحنت بقمتها أمام قدمي مريم ، فجنوا من رطبها . . . وبعد أن قطفوا ثمرها كله ، بقيت منحنية تنتظر أمر من أمرها بالانحناء للقيام . عندئذ خاطبها اليسوع قائلا « انهضي أيتها الشجرة ، واستعيدي قوتك ، ولتصبحين من ضمن أشجار جنة أبي . ولينبجس من جذورك ذلك النبع الذي كان مختفيا تحت الثرى ، وليسل منه الماء الكافي لإرواء غليلنا » ، فاستقامت الشجرة حالا ، وانبثق من جذورها ماء رقراق لذيذ المذاق . ففرحوا من رؤية ذلك النبع ، وشربوا منه مع دوابهم وشكروا اللّه على ذلك « 1 » .
أخطأ « سيد رسكي » في استنتاجه باقتباس القرآن لقصة مريم وابنها من إنجيل متى من عدة وجوه منها : زعمه أن القرآن قد خلط بين « مريم » أم المسيح وبين « مريم » أخت
هامش
( 1 )SINDERSKY ; origines , op . cit , p . 143 .